نفسها، فلو كانت الحياة كلها حيوانا لكان الآن قد استهلك جميع الأكسجين، ولو كانت الحياة كلها نباتا، لكان الآن قد استهلك جميع أكسيد الكاربون، وفي كلتا الحالتين كلاهما يموت. ما أعجب أمر الحيوان والنبات كليهما في تطورهما من الكائنات البروتوبلازمية ذكورا وإناثا، أن كل نوع لم يزل يتكرر تركيبه، وبذلك بقي مستمرا مع المحافظة على خصائصه العامة، ونحن نرقب بمجهرنا الحاضر تفاصيل القوة المجبرة في الطبيعة والكيمياء والنتائج المترتبة عليها التي تزيد الأمر وضوحا، وغرضنا هو تسهيل فهم ما وصل إليه العلم على أولئك الذين لم يتمرنوا على المسائل العلمية تمرنا خاصا، ويمكن أن نبين ذلك على الوجه التالي: من الواضح أن الجماعات من الخلايا تنمو باتصال بعضها ببعض بالانقسام مثنى ثم رباع ثم مآت ثم آلافا ثم ملايين، وكل خلية منها تدعى لتنجز نصيبها من العمل، ومتى تم توزيع الأعمال المختلفة يبدأ الشروع في العمل عند الجميع، فطائفة من الخلايا تكون مشتغلة بإحضار الغذاء وطائفة أخرى تشتغل بهضمه، وكل جزء من الجسم المراد تكوينه يتألف من كثير من الخلايا، فبعضها يؤلف غلافا غليظا واقيا يكون قشرة لشجرة، وطائفة أخرى تشتغل بنقل الغذاء من مكان إلى مكان في المخلوق الحي المراد إنشاؤه، وأخيرا نجد تلك الخلايا جادة في تشكيل خشب الجدع إن كان المخلوق شجرة أو العظام إن كان المخلوق دابة أو المحار إن كان المخلوق بحريا من ذوات المحار أو الغلاف الصلب إن كان الحيوان رخوا لينا كالحلزون مثلا (وهو المسمى باللغة المغربية ببوش)، إلى أن يتم تكوين الأجزاء الصلبة في المخلوق الحي خارجه محيطة به، وتارة تكون داخله عظاما يقوم عليها جسمه، وكل الأشياء المتصفة بالحياة تتخلق من خلية بسيطة واحدة، وهذه الخلية تجبر نسلها على أداء الواجبات طبقا للخطة المرسومة لخلق ذلك الحيوان بلا خلاف، كما فعلت الخلية الأولى الأصلية، سواء أكان ذلك الحيوان سيصير سلحفاة أو أرنبا.
وهنا يعرض لنا سؤال، وهو هل الخلايا ذات إدراك أم لا؟ وسواء منحت الخلايا قوة تمييز، كيفما كان، أو قوة تفكير، فلا مناص لنا من الاعتراف بأن الخلايا قد فطرت على أن تغير طبيعتها وتقف مع ما يتطلبه خلق الكائن الذي يراد بها أن كون جزءا منه، وكل خلية نتجت في أي مخلوق حي يجب أن تهيئ نفسها لتكون جزءا من لحمه، أو أن تضحي بنفسها لتكون جزءا من الإهاب الذي سيزول سريعا، أو تهيئ نفسها لتكون جزءا من قشرة السن الزجاجية أو تكون جزءا من المادة الشفافة السائلة في العين أو جزءا من الأنف أو الأذن، وكل خلية يجب أن تهيئ نفسها من حيث الشكل أو أي صورة خاصة أخرى تلزم لأداء عملها المخصوص لها، مثلا إحدى الخلايا يجب أن تكون جزءا من الأذن اليمنى، وأخرى يجب أن تكون جزءا من الأذن اليسرى، وبعض الخلايا الزجاجية التي لا تختلف عن غيرها من الوجهة الكيميائية تعكس أشعة الضوء إلى اليسار. ويظهر أنه يوجد مثل هذا الميل في الخلايا، فهي تتجه إلى المكان المعين لها بالضبط أن تكون جزءا منا في الأذن اليمنى أو اليسرى، واعلم أن أذنيك متقابلتان على التضاد إحداهما مع الأخرى وتجويفهما متقابل، فمتي تم خلقهما تكونان من التشابه بحيث لا تستطيع أن تميز بينهما، ولأن مآت الألوف من الخلايا مسوقة لتعمل العمل المضبوط في الوقت المضبوط في المكان المضبوط، ولعمري أنها مطيعة لما تؤمر به.
إن الحياة مندفعة إلى الأمام، بانية مرممة، منشئة الجديد والأحسن بقوة لا تقاوم ولا توجد في الجماد، فهل نشأ ذلك عن قوة عاقلة أو إلهام أو حدث بدون شيء؟
يمكنك أن تجيب عن هذا السؤال بنفسك، ولكن يمكنك الآن أن تقول إنك لم تبين لنا في هذا الفصل كيف بدأت الحياة، يعني كيف جاءت إلى هذه الأرض؟ فأقول: إني لا أدري، والذي أعتقده أنها جاءت بأمر من الله تعالى وأنها ليست مادية.