تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س 3 ع9/يونيه 1960 .................. ص11

دواء الشاكين وقامع المشككين

للدكتور تقي الدين الهلالي

-6 -

ثم قال المصنف: وبقطع النظر عن هذه المسألة، وهي ما هو أصل الحيوان، وهي في الحقيقة مشكلة علمية قد اقترح بعضهم أن هباءة، ذرة عظيمة القدر، لكنها صغيرة الحجم حتى أنه لا يستطيع أحد أن يلمحها ولو لمحا غير واضح بأي مجهر، وهو المكرسكوب، هذه الذرة الصغيرة هي التي فرقت ما كان مجتمعا متحدا، وجمعت ما كان متفرقا متباينا، فظهرت الحياة بمظهرها المدهش.

وتقريبا للفهم نقول: انظر إلى الأميبا، وهي حيوان صغير لا يرى إلا بالمجهر، وقد تطورت تطورا تاما وهي متركبة مما لا يحصى من ملايين الذرات، كاملة الصنع على أحسن نظام، والأميبات مخلوقات ذات خلية واحدة، ولعل مساحة حجم الواحدة منها لا تزيد على جزء من مائة من البوصة، والأميبا توجد في جميع مياه الدنيا، وهي تطلب غذاءها بعزم واجتهاد، كم يجب أن يكون الحيوان كبيرا في الحجم قبل أن نعترف بأن له رغبة وعزما؟ الحجم لا اعتبار له، فإن الذرة في الإتقان والكمال تساوي المجموعة الشمسية بأسرها، وإذا ضربنا مثلا الأميبا فلسنا تقصد أن هذا المخلوق الحي هو الخلية المنفردة الأولى التي هي ينبوع الحياة، تقدم شرح معنى كلمة (بروتوبلازم)، ونريد هنا زيادة بيان أحوالها فنقول: إنها قطيرة بين السوائل والجوامد، وعبرت عنها المعاجم الأعجمية بنصف سائلة، وهي في غاية الدقة، حتى أنها لا ترى بالعين المجردة، لزجة شفافة، منها تكون المخلوق الحي الأول، ومنها نشأ بانقسامه في داخله إلى قسمين، وكل من القسمين انقسم إلى قسمين، فكان أربعة أقسام واستمر الانقسام والنمو إلى أن بلغ كل فرد المقدر له، وهذا عين ما تفعله الخلايا اليوم في كل مخلوق حي، وكل خلية بعد الانقسام الأول تشتمل داخلها على قوة ينتج منها مخلوق كامل من الأفراد، والخلايا باقية لا تتغير ولا تنتهي إلا في حال وقوع حادثة تصادفها، أو عند بلوغها نهاية الأحوال المقدرة لها، وهذه الخلايا هي التي تشكل جميع أجسام الحيوان والنبات اليوم، وعلى هذا يكون عمل هذه الخلايا نسخة طبق الأصل من عمل أسلافهن الأوليات، فنحن من حيث كوننا أناسي (جمع إنسان) جمهوريات منظمة أحسن تنظيم مؤلفه من بلايين على بلايين من أمثال تلك الخلايا، وكل خلية بمنزلة مواطن من تلك الجمهورية يؤدي واجبه من الخدمة العامة بإخلاص تام وإتقان، وبعكس ذلك تكون الذرة من الجماد.

أقول: فما أرى المشككين في اتحاد هذه المجموعات من الذرات التي تعد بملايين على ملايين في اتحادها الذي لا يتطرق إليه التفكك، وتضامنها الذي لا يعتريه تخاذل، وتعاونها الذي لا يشوبه ملل، أيمكن أن يكون ذلك كله على سبيل المصادفة، بغير علم سابق ولا تدبير مرافق؟

ثم قال المصنف: ولكننا نستطيع أن نشير إلى مثال وقع من قبل ذلك بزمان بعيد في ابتداء الحياة على وجه الأرض، وهو مهم وعجيب جدا: خلية تعطي قوة مدهشة تستعمل بها ضوء الشمس فتكسر به مركبا كيميائيا وتصنع غذاءها بنفسها وغذاء لأخواتها من الخلايا. والذرة الأصلية تحضر غذاء تعيش به بناتها من الذرات، ثم تكون الذرات البنات حيوانا، على حين تصير الذرة الأم نباتا، وأولاد ذلك النبات المولدات منه تكون بعد غذاء لكل شيء حي في وقتنا هذا، فهل يستطيع أحد أن يفسر هذه الحقيقة، وهي أن بعض الخلايا تصير حيوانا وبعضها نباتا - أن كل ذلك وقع بالمصادفة؟ وهنا في هذا التقسيم تعرف سر التوازن العجيب الواقع بين النبات والحيوان، بل بين حياة النبات والحيوان، قد أسس من قبل على أساس مقدر معلوم. وإذا رجعنا إلى الوراء، إلى قصة حامض أكسيد الكاربون، نجد أن هذا التقسيم كان بلا ريب أحد الأصول الجوهرية التي أسست عليها الحياة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٦٦