تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س 3 ع9/يونيو 1960 .................. ص9

عالمية الدين الإسلامي

للأستاذ: التهامي الوزاني

أرادتني على أن أرافقها إلى السينما في إحدى أمسيا الخميس، ولي ولوع بالسينما الغربية لا لأني شعوبي أحتقر إنتاجنا العربي، بل لاعتقادي أننا لم نصل إلى الدرجة التي يمكن معها أن أفتخر بأننا منتجون في الميدان الروائي والقصصي، ونحن في عدولاتنا الأولى أخطأنا الطريق من أول قدم، فقد كان واجبنا أن نستسلم حياتنا الواقعية فنتخذ منها العبر والعظات، وعن طريقها نقول ما لنا من التوجيهات بدلا من أن نمسخ فكرة الآخرين، فلا نحن مقلدون ولا نحن مجتهدون، والتقليد الحق أن لا يقل المقلد في شيء عن مقلدها، وإنما هو صدى طبق الصوت، كشأن المعيدين في الجامعات يؤدون فكرة من يملأ الكرسي أتم أداء أو أقربه إلى التمام، ولكنها تهيم رغبة في أن تفهم كل حركة وسكون، ولن يأتي لها ذاك ما دامت لغة الفلم رطانة أعجمية ليس فيها حاء ولا عين ولا ضاء، ولا جمع بين جيم وخاء، فتساوقت ترضية لها انسياق الذكر للأنثى، وكان الفلم «فتح مصر» وهو من المحاولات القومية الرائعة، والموضوع أشد منها روعة، وتبينت جميع أماني الشعب المصري التي يعقلها على الحركة الإسلامية في سبيل تحريره ورفع نير الاستعمار عن رقبته، تبين ذلك واضحا جليا كان الإجماع من القبط قساوستهم وراهباتهم وضعفهم على الحماس لقبول فكرة «المقوقس» التي جعلت من «مارية» المهداة خير رابطة بين الشعب العربي والشعب القطبي وكانت كلمة مارية في نظر المترجم بمثابة إلى أن تتحول إلى «مريم» لكن الجامعين في المدينة المنورة، وعلى رأسهم رسول الله (ص) قبلوا كلمة «مارية» حرصا على زيادة كلمة يتحد فيها النطق بين اليثربيين والاسكندريين، فكانت «مارية القبطية» كلمة تساوي كلمة «أم المؤمني» دون أن تحتاج إلى تبديل أو تغيير، لن ذلك يفقدها قوتها، والإسلام حريص على أن يستغل كل شيء في سبيل إقامة نظام عالمي لا رائحة للعنصرية فيه، فحق العرب في اللسان العجمي يساوي حق العجم في اللسان العربي، فإن الناس من آدم وآدم من تراب واختلاف الألسن والألوان اختلاف لا يمن في شيء الوجهة العالمية الكبرى، وليس هنالك من يأس في أن يضعف هذا الاختلاف، فإن كل ضعف أو وهن فيه من شأنه أن يؤكد الفكرة الإسلامية الوجهة في قول الله سبحانه "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم".

وفكرة محاربة العنصرية في الإسلام، من أعظم الأفكار التورية في الوسط الجاهلي المنكمش الذي كان يجهل الخارج كله، والناس عنده هم البدو الرحل، أما أهل الحضارات، والحكماء اليونان، وذوو الإجلال من الرومان، والأبطال من الفرس، واللاهوتيون الهنود فكل أولئك لا يعلم عنهم العربي المنعزل في شبه جزيرته شيئا، ويجيء الشعراء والأمراء فيخسرون من أهم الدنيا موهمين إخوانهم أن لا شيء في الدنيا إلا العرب، فجاء الإسلام يقلع هذا الاعتقاد بنفس القوة التي يقلع بها الوثنية وعبادة الجن، فقوض منها ما قوض قولا في قوله: أن أكرمهم عند الله أتقاكم. وفعلا في تكريم سليمان، وصهيب، وبلال.

أما المهاجرون والأنصار الذين طالت صحتهم لرسول الله (ص) حتى هضموا تعاليم القرآن حق الهضم، فأصبحوا عالمين، واستطاعوا بفضل مواصلة الوجيه المحمدي أن يكسروا غل التقاليد الجاهلية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٦٤