تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغاية من هذه الحياة هو في الخروج منها بخير في آخر ساعة وأما بقية العمر على طوله فالعمل فيه على التساهل والتسامح والتعايش السلمي مع النفس.

فقلت لعلمي والتنسك والتقى *** تنحوا وما بيني وبين الهوى خلوا

ومن وراء ذلك القرآن ينادي: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن، أمثال هذه الآيات التي سمعت أيها القارئ الكريم هي التي يلوح طابعها على صفوة الصدر الأول الذين يقول فيهم التنزيل: من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا- الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل- كنتم خير أمة أخرجتن للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر- وعلى ضوء لمعان سيوفهم سار من تبوأ مقعدا في تاريخ الإسلام من أمثال سعيد بن المسيب التابعي الجليل ومن خبره أنه كان فقد إحدى عينيه في إحدى الغزوات ثم بعد حين أهاب الداعي بالخروج لغزوة أخرى فكان في طليعة من ساروا إليها فقال له بعض معارفه: يا سعيد سقطت عنك فريضة الجهاد إن الله سبحانه يقول: لا يستوي القاعدون من المومنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله. وأنت من أولي الضرر فما كان منه إلا أن أجاب سبحان الله أن الله استنفرنا خفافا وثقالا إذا لم يمكني قتال أكثر السواد واحفظ المتاع ونظيره ما يوثر عن أبي خيثمة الصحابي الأشهر ومن خبره: كان ممن تخلف عن الخروج مع رسول الله (ص) في غزوة تبوك لغيبة اعترضته وبعد أيام دخل على أهله في يوم حر فوجد امرأتيه في عريشتين لهما في حائط، وقد رشت كل واحدة منهما عريشتها وبردت فيها ماء وهيأت طعاما فلما نظر إلى امرأتيه وما صنعتا قال رضي الله عنه: رسول الله في الحر وأبو خيثمة في ظل وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ما هذا بالصنف ثم قال الله لا أدخل عريشة واحدة منكما حتى الحق برسول الله فهيأ لي زادا ثم ارتحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ثم خرج في طلب رسول الله حتى أدركه، هـ. من تفسير روح البيان عند تفسير قوله تعالى: وقالوا لا تنفروا في الحر في سورة التوبة.

إلى جانب هذه التربية القرآنية التي نشرت أمامك أيها القارئ الكريم نجم قرن تربية أخرى درجت من عش علم الكلام الموصول النسب بفلسفة مجهولة الأصل في معظمها ما فتئت هذه التربية الطارئة أن طوت التربية القرآنية مستبدلة لها بتعاليم نسمع صداها في أمثال كتاب جوهرة التوحيد للقاني التي أظهر فيها الإسلام في مظهر دكتاتورية حيث يقول فيها صاحبها:

بخالق لعبده وما عمل *** موفق لمن أراد أن يصل

وخاذل لمن أراد بعده *** ومنجز لمن أراد بعده

فوز السعيد عنده في الأزل *** كذا الشقي ثم لم ينتقل

فإن يثبنا فبمحض الفضل *** وإن يعذب فبمحض العدل

أقل ما يقال عن عقيدة كهذه أنها هدم للتكليف من أسه وأبطال لحكمه إرسال الرسل وهنا أعرض على أنظار طلاب الحق ما جاء في أصول العقائد المسيحية وهو أن السعادة لا تنال بالأعمال بل بمحض الفضل (لاجراص) من أراد الوقوف عليها فليطلبها في تاريخ الديانات العام لمؤلفه جول لابوم وفي كتاب ما لتتبعن بعد الموت لصاحبه ليون دونيس - صدق رسول الله: لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه فليختر من أراد الاختيار بين الذي هو أدنى والذي هو خير والمجال هنا فسيح للتفنن في ضروب التأويل والترويم ويرحم الله القائل:

لي صاحب أفديه من صاحب *** حلو التاني حسن الاحتيال

لو شاء من رقة ألفاظه *** ألف ما بين الهدى والضلال

من عجيب ما كشف عنه الزمان أن العقيدة المقررة في جوهرة اللقاني رحب بها المستشرقون أيما ترحيب وسارعوا إلى ترجمتها اخص بالذكر من بينهم المستشرق ج. د. لو سيأني الذي لم يقنعه ترجمة المتن حتى ترجم شرح المنظومة لصاحبه عبد السلام الباجوري طبعت الترجمة بالجزائر عام 1907 بمطبعة بيار فنطاته والمترجم يشغل يومئذ منصب مدير للأمور الأهلية لعموم القطر الجزائري ولأمر ما أدخلت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٥٩