الحكومة الاستعمارية هذا الكتاب في برنامج التعليم الإسلامي في المدارس العليا الثلاث قسنطينة والجزائر العاصمة وتلمسان- فليتأمل ذوو البصائر وليأخذوا حذرهم من أهل الكتاب والحذر والحزم إنما هما في إقامة العقيدة على تعاليم القرآن ومبادئه التي هي الطريق الذي لا يخاف صاحبه دركا ولا يخشى تلك المبادئ التي سردت منها نبذة من الآيات على أني لا أنسب إلى الغلو أن قلت أن ما ذكرته من الآيات تغنى عنه فيها نحن فيه آية واحدة هي قوله تعالى جده: وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا. إذا كان الابتداء هو الغاية من وجودنا في هذه الحياة ترتب عليه لزاما إن الابتداء لا يعقل ولا يتصور إلا في حق من يصلح للابتلاء وعليه بني التكليف المشار إليه في قوله سبحانه: إنا عرضنا على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان- ومن هنا ندرك السر في تفاوت الدرجات يوثر عنه عليه السلام أنه قال: (رأى رجل في الجنة عبده أعلى منه درجة فقال يا رب هذا عبدي ما باله أعلى مني درجة فيقول الباري سبحانه: جزيته بعمله جزيتك بعملك. ولأمر ما يقول عليه السلام: الإيمان والعمل شريكان في قرن لا يقبل الله أحدهما إلا مع صاحبه.
وفي الختام أقول على وجه الاستنتاج بأن أولادنا الذين أصبحوا اليوم يتخرجون من الجامعات والكليات لا تتسع أفكارهم ولا تستسيغ عقولهم إلا ما زكاه المنطق وأيده الواقع وماجريات الحياة وإلا جفلوا من حظيرة مجتمعهم جفول النعام بالرجل وبالجناح ولهم العذر وعلينا الوزر فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، اللقاني يقول: فإن ينبنا فبمحض الفضل. مفهوم هذا الكلام بدلالة الالتزام أن الثواب لا يترتب على العمل وإن كليهما لا يمت إلى الآخر بسبب والقرآن يقول: قل إذ لك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا- ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين- والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون- من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. والنبي عليه السلام يقول من جهته: ويل لمن غلبت آحاده على اعثاره.
أما التهويل والترهيب بأن هذا الاعتقاد يشعر بالإيجاب على الله فهو تهويل يرمي لغير هدف إنما يرتب الجزاء على العمل بمقتضى ما سنه سبحانه في جملة ما سن من السنن وشهد عليه شاهد من كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون، وإن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى، إنما الغاية من التهويل والترهيب تبرير مذهب الأشعرية والانتصار له مع نسيان صاحبه أو مناسيه لما تكرر في القرآن على طوله.
وكم من فقيه خابط في ضلالة *** وحجته فيها الكتاب المنزل
كيف يخطر ببال من هو العوبة الحوادث وفريسة الديدان أن يوجب على من يقول فيه أحد الشعراء: رأى البحر عرش الرحمان مرة واحدة فهو إلى الآن سكران ثمل. وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه - فإذ نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. وهنا أذكر بحكم الاستطراد هذه النادرة وهي أن الأمريكي بنجما فرنكلا أوصى أن يكتب على قبره هذه الكلمات: (جسمي أصبح تحت التراب في صورة كتاب بال إفراغ من مضمونه تلاشى تهذيبه واندرست حروفه لكن لا بأس لأن هذا الكتاب سيعاد طبعه في صورة أبهى من الأولى بعد المراجعة والتصحيح من المؤلف).
أخواني الأعزاء أن العهد الجديد الذي تفتحت أبوابه في سائر الميادين على الجهات ألست لا يرضيه منكم إلا مبادئ تستنهض الهمم وتفتح الطريق إلى القمم أنكم تعيشون في عصر يقول فيه أحد قادة الإنجليز نحن قوم أن لاحت لنا فرصة نطمح فيها أن نربح مائة في المائة سرقنا، فإذا كان الربح مائتين في المائة قتلنا، وإذا كان ثلاثمائة في المائة ألقينا بأنفسنا في مهالك، وبإزائه سياسي آخر يقول: إنما أعطينا اللسان لنموه به عن نوايانا:
فالسباق السباق قولا وفعلا *** حذر النفس حرة المسبوق