تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س 3 ع9/يونيو 1960 .................. ص3

دراسات إسلامية: ثورة القرآن والعقل على أسارى التقليد والنقد

للأستاذ: أحمد التيجاني

البرنامج الذي جاء القرآن لتطبيقه هو تهيئه البشرية وتأهيلها لحياة أسمى من الحياة التي حيرت منذ القدم الفلاسفة والحكماء والمومنين وغير المومنين لتلك الحياة التي أخبر عنها القرآن في آخر سورة العنكبوت: وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعملون. عبر عن الحياة بلفظ الحيوان لما هو معلوم عند أئمة اللغة من أن صيغة فعلان في أصل وضعها تدل على الحركة والاضطراب كالجولان والسيلان والروجان والغليان والخفقان للدلالة على أن حياة الدار الآخرة استجمعت كافة عناصر الحياة في سائر مظاهرها يشهد لأن الإسلام جاء لهذه الغاية الجديرة بمن تشرف بخلافة الله في أرضه أن القرآن الذي هو منبعه ومطلعه جاء على صورة مضمار لتتسابق فيه الهمم تسعى سعيها في ضوء القرآن وتستمطر بنوئه على حد ما عبر عنه عليه صلوات الله: اليوم الرهان وغدا السباق والجائزة الجنة. اقتباسا من قوله جل ذكره: والسابقون السابقون سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض. انفروا خفافا وثقالا. ونظيره ما جاء في سورة المائدة في معرض الكلام على الأمم الثلاث المنتسبة إلى كتاب سماوي: اليهود والنصارى والمسلمين. إمتن على اليهود بأنه أعطاهم التوراة وإمتن على النصارى بأنه أعطاهم الإنجيل ثم ختم بالمسلمين وأنه سبحانه أعطاهم القرآن. بعد تذكير الأمم الثلاثة بما أنعم عليهم قال عز من قائل ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات. فالأمر بين الثلاثة كما ترى مسابقة ومساجلة في الخيرات وإحراز أعالي الدرجات.

هذا مع العلم بأنه قل أن توجد سورة في القرآن لم يتعرض فيها لذكر العمل تصريحا أو تلويحا مع إناطة الجزاء بالعمل أذكر من ذلك على وجه الاستشهاد هذه الآيات: «ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون- وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين- ولكل درجات مما عملوا- فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون- ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا- ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وأن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين- والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين والوزن يومئذ الحق- فاستمسك بالذي أوحى إليك أنك على صراط مستقيم وأنه (القرآن) لذكر لك ولقومك وسوف تسالون- يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها - إن الله على كل شيء حسيبا».

فليفكر أهل البصائر في كلمة كل في هذه الآية وليفكر فيما هو من شكلها من أمثال قوله تعالى جده: «وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا» - بعد هذه الآيات الناصعات التي لا مجال فيها يحال للتأويل والتوجيهات نقرأ لابن منبه ويا للعجب قوله: (لا يوزن من الأعمال إلا خواتمها) وأعجب من تقبل الجمهور لهذا الأثر وأمثاله المصادم على طول الخط لتعاليم القرآن ومحكمات آياته حتى أصبحنا نسمع: العبرة بالخواتم الأمر الذي جر الدهماء إلى اعتقاد أن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٥٨