واللغة والأخلاق، وحارب -بلا هوادة- الثقافة العربية الاسلامية في جميع مظاهرها، ومختلف ميادينها ولكن سعيه ذهب سدى، ولم يصل في هذا المجال في الماضي، كما لم يصل اليوم إلى ما يريد ... والفضل يرجع إلى تغلغل روح المقاومة، التي فطر عليها شعبنا المؤمن، فأصبحت جزءا من طبيعته، وواجبا أساسيا من واجباته، وفرضا محتوما من الفروض التي عليه أن يؤديها نحو امته ووطنه.
*
والآن لنلتفت قليلا نحو ما ضينا الجزائري مع الاحتلال الأجنبي، لنتبين بعض الخطط الاستعمارية التي اختطها نظام الاحتلال بغية افناء الشخصية الجزائرية، وازالة معالم الثقافة القومية.
حينما احتلت فرنسا الجزائر، وجدت فيها شعبا عريقا، يحتفظ بكل مقومات الأمم والشعوب، وخصائها الروحية والمعنوية والسياسية والاقتصادية ويمتاز بكل الميزات التي تجعل منه دولة تامة الأجهزة والنظم الادارية المستقلة، كغيرها من دول ذلك العصر، بل ان الأمر الذي يتفق عليه جميع المؤرخين المنصفين، وحتى من الفرنسيين أنفسهم، هو ان الجزائر قبل الاحتلال كانت تتمتع بحياة اقتصادية مزدهرة جدا، ومستوى ثقافي يفوق متوى كثير من الأمم المعاصرة لها يومئذ، بالإضافة إلى قوتها البحرية التي اشتهرت بها، فجعلت طائفة من الدول تخطب ودها، وتنشد صداقتها، وتلتمس منها حماية سفنها، نظرا لنظام القرصنة الذي كان يسود يومذاك مقابل ضريبة معينة تؤديها لحكومة الجزائر، الى غير ذلك مما يشير الى القوة الأدبية والمادية التي كان يقوم عليها صرح الدولة الجزائرية العربية المسلمة فما هي -إذن- قيمة المزاعم الاستعمارية الفرنسية التي حاولت -كعادتها- ان تفترى على التاريخ الصادق، وأن تلبس الحق لباس الباطل، مدعية انها وجدت الجزائر عديمة الشخصية، لا كيان لها ولا وحدة تجمع أهلها، فخلقتها من عدم، وبعثتها من موت، وحملت اليها رسالة (المدنية والنور ... ).
هكذا يزعم اقطاب المدرسة الاستعمارية، وهكذا يمعنون في الدعاية الزائفة، والتضليل المكشوف، تبريرا لاعتدائهم على سيادة وطننا، وسلبه حريته واستقلاله بوحشية وشراسة لا مثيل لهما.
فلننظر -إذن- ماذا صنعته فرنسا في الجزائر، وأي (خير ... ) جاءت به معها الى الشعب الجزائري بعد أن استطاعت أن تتغلب على مقاومته المسلحة، التي امتدت سبعة عشر عاما بقيادة الامير عبد القادر، بسبب انعدام التكافؤ في العدة والعدد .. ؟
صحيح ان الاستعمار كان منطقيا مع نفسه، ومتمشيا مع خطته ومقاصده، حينما استهدف بغزوه ابادة الشخصية الجزائرية، ومحو كل اثر لها روحيا ومعنويا، حتى يتسنى له أن ينجز مهمته التدميرية من أقرب طريق ولكن هل استطاع فعلا أن يحقق أهدافه في القضاء على شخصية الشعب ومحق قوميته؟
للجواب على هذا السؤال بصدق وأمانة يجب الاعتراف بأن الاستعمار قد نال مآربه في المجال الاقتصادي، اعتمادا على أساليب القهر والجور، التي كان يسلطها -بقساوة- على الشعب الاعزل، فيجرده بمقتضاها من أرضيه وثرواته، ويقصيه عن المناطق الخصبة، ليتوجه نحو الصحاري القاحلة، تاركا وراءه أراضيه الطيبة، ومزارعه النامية، وجناته الفيحاء، ينعم بها الدخلاء، ويستولي عليها شذاذ الافاق من الفرنسيين والمتفرنسين الذين رافقوا الاحتلال، أو الذين جلبهم بعد ان استقرت اقدامه في البلاد.
وقد كان يحصل -على الأخص- تجريد الجزائريين من أراضيهم، كلما قامت ثورة مسلحة في وجه المحتل الغاصب، مما افضى -مع استمرار الزمن- الى أن تغدو تسعة أعشار الأرض الجزائرية في أيدي المحتلين ... وبهذا اسلمت (المدينة) الفرنسية شعبا كاملا للجوع والفقر وما ينتج عن الجوع والفقر ... من مآسي وفظائع ...
أجل، هكذا اسلمت فرنسا (المتمدنة ... ) شعبنا للجوع والفقر، لتجرده من الشعور بالكرامة والعزة -كما جردته من الأرض- ولتقتلع من ضميره ما يعتز به من دين ولغة وتاريخ، وما يتشبث به من قومية، فيؤول به الأمر الى الزوال والاضمحلال ... لكن ان استطاع المحتل ان يستحوذ بالقوة على ثروة الشعب المادية، فانه عجز كل العجز -وبالقوة أيضا- عن أن يسلبه ثروته ويحوله عن الاتجاه الطبيعي الذي رسمه له ماضيه التاريخي الحافل بالامجاد، ومآثر الاجداد.