تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفضلهم وأعظمهم جميعا. وبطريق المصادفة وردت هذه الكلمات التي استشهدت بها في شرح الأساس الفلسفي لكتاب "أسرار النفس" الذي وضعه اقبال وترجمه الى الانكليزية البروفسور الراحل نيكلسون الأستاذ بجامعة كمبردج، وفي هذا الكتاب يقوم جوهر فلسفة اقبال على الشخصية. ولاشخصية أو الذاتية هي بالنسبة لاقبال حالة من التوثر. وان الشخصية تستطيع الاستمرار في العيش اذا حوفظ فقط على هذه الحالة. وفي ذلك يقول: "ان ما يفضي الى المحافظة على التوتر يؤدي الى جعلنا خالدين".

ثم ان فكرة الشخصية تعطينا مستوى من القيمة تحل قضية الخير والشر، وهو يقول: ان ما يقوي الشخصية هو خير وان ما يضعفها هو شر.

وفي رأي اقبال، وما زلت أستشهد من ذلك البيان أن الفن والدين وعلم الاخلاق كما كتب الى البروفسور نيكلسون، يجب ان يكون الحكم عليها صادرا من نقطة الشخصية. وان موقف اقبال من هذا الموضوع منبثق من وجهة النظر التي عبر عنها نبي الاسلام باستنكاره شعر امرئ القيس رغم جودة شعره من ناحية وتقديره الحار لشعر عنترة من ناحية اخرى. وهو قائم على أساس الاعتراف بالعلاقة التي توجد ين لافن وتأثيره على الشخصية الانسانية.

وقد قدم اقبال عرضا سهبا لنظريته عن الفن في مقدمة كتابه "شوغتاي" في الطبعة المصورة من منشورات غالب، وكررها في عدد من القصائد، ومع ذلك ينبغي علينا للحصول على تصريح موجز عن فكرته أن نرجع الى مقال كان قد كتبه في مجلة "العصر الجديد" عام 1916. وقد جاء فيه حسب ما قاله اقبال بنفسه: "ان الهدف النهائي لجميع أوجه النشاط الانساني هي الحياة المجيدة والاخصاب" وان جميع الفنون الانسانية يجب أن تكون أقل أهمية من هذا الهدف النهائي، وان قيمة كل شيء يجب ان تحدد اعتمادا على أهلية مرونته الحياتية. وان الفن الاسمى هو الذي يوقظ رغبتنا وقوانا النائمة ويشد اعصابنا لمواجهة تجارب الحياة ببسالة. وان جميع الأشياء التي تؤدي اى الكسل والغفلة، وتجعلنا نغمض أعيننا عن حقيقة التفوق أو النبوغ الذي تتوقف عليه وحدة الحياة هي رسالة انحطاط وموت. ولذا يجب الا يكون هناك طعم افيون في الفن، وان نظرية الفن للفن هي اختراع ذكي من اختراعات الانحطاط والتدهور لكي يبعدنا عن الحياة والقوة".

ونحن في الحقيقة مسرورون لأن نحصل على مثل هذا التصريح بقلم اقبال نفسه، ونظريته هنا هي واضحة جدا بحيث لا يمكن ان يساء فهمها، وقد عبر عنها بقوة بحيث لا تدع مجالا للشك، ولذلك فليس للمرء الا أن يقبلها أو يرفضها.

وهكذا نجد أن جميع آثار اقبال هي جزء من نظريته التي أعلن عنها في الفن، ونحن إذا استعرضنا في الواقع شعره نجد أنه غالبا ما يمضي بعيدا الى أقصى حد من اتجاهه، ويطلب الينا الا نعتبره شاعرا البته. وهو يعلمنا أنه رجل لديه ما يقوله لنا وأن شعره ليس إلا طريقته في قول ما يريد، وشعره لا يخرج عن كونه حلة خارجية ترتديها أفكاره نفسها. وهذا تصريح منصف يعبر عن فن اقبال العظيم. ولا يمكن أن يكون ثمة شك في ان اقبال قد اعتبر اثاره الفنية بأنها مسألة ذات أهمية ثانوية. فقد كان مهتما بالدرجة الأولى بالأفكار التي عبر عنها وبالرسالة التي كان يدعو أنصاره إليها. وبهذا المعنى دعاه بركاردشو بالفنان الفيلسوف. وقد لخص اقبال ما اعتبره رسالته في هذا البيت الشهير من الشعر:

"لقد كان مبشرا بالربيع وطائرا مفردا يمنح رسالته القلبية الى العالم من عزلة قفصه".

هكذا كانت رسالة اقبال مفعمة بالحنين الدائم والأماني اللانهائية:

ولكن يجب الا ننسى ان الفن قد جاء اقبال بصورة طبيعية، وقد تناوله انى كان في كفاحه الجبار، وليس ثمة في اثاره فن مراقب، بل انه لمن المستحيل ان نتخيل فنانا عظيما ينتج فنا دون قصد أو دون غرض معين، فالفن وهدفه ينبغي الا ينفصلا الواحد عن الآخر، وهما في كل جزء من أجزاء معنى للكلمة وان الجمال والحقيقة هما شيء واحد لا يتجزءا.

وهكذا فإن فن إقبال قائم على الجمال والخير والحق، وهو مفتاح فلسفة اقبال ونظريته في الفن التي تجلت في معظم آثاره المجيدة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤١٧