تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س3 - ع8 مايو 1960 .................. ص64

نظرية اقبال في الفن

للأستاذ: ممتاز حسن

منذ ان اخذ الانسان يفكر بالفن نشأت أكثر من نظرية واحدة بصدد المهمة التي خلق من أجلها. وكان هناك أولئك الذين يقولون يجب أن يترك الفن ومصيره (أي الفن للفن) بحيث لا يكون له ثمة هدف معين سوى اثارة اعجاب غريزة الانسان. ومن ناحية اخرى كان هناك الذين يخالفون هذه النظرية ويعتبرون ان الفن ليس هدفا بحد ذاته، فيحكمون على الفن اعتمادا على ماله من مستوى مستقل من القيمة.

ثم ان الفن في رأي هؤلاء هو جيد أو رديء حسبما اذا كان فنا أم لا. بينما هو في رأي اولئك يعتبر جيدا أو رديئا، حسبما يفعل أو يخفق فيما يفعل. ويعتمد القائلون بنظرية الفن للفن في حجتهم على أن عمل الفن هو في النجاح الذي تستخدم فيه واسطة التعبير في معالجة الموضوع بحيث تتوقف على طبيعة الموضوع نفسه أو التأثر الذي يمكن أن ينتجه العمل الفني كمجموع في الميدان الاجتماعي والأخلاقي، وان الفن في نظر ممثلي هذه المدرسة هو كما قال اوسكار وايلد ليس اخلاقيا أو غير اخلاقي بل نابع من الغريزة. اما أولئك الذين لا ينتمون الى مدرسة الفن للفن فإنهم لا ينكرون، وهم في الحقيقة لا يستطيعون انكار الطريقة التي يستخدم بواسطتها التعبير في انتاج العمل الفني، بل ان الفن ينبغي أن يكون فنا جيدا قبل أن يستطيع ان يأمل في احداث أي تأثير جيدا كان أم رديئا. ولكن القضية لا تقف عند حد أن يكون الفن جيدا وحسب وانما هناك قضية الهدف الذي يرمي اليه الفن، والفكرة التي يدعو اليها والقيم الاخلاقية التي ينشرها ويبشر بها، وهي قضية هامة جدا. فلقد حقق فن الرسم الزيتي الفرنسي في القرن الثامن عشر مستوى رفيعا من الابداع الفني. كما أن مدرسة "الكوميدي ريستوريشن" في انكلترا كانت بعيدة النظر مفعمة بالنباهة. ولكن كلاهما عكسا وشجعا انفلات عصرهما، ويجب أن يحكم عليهما وفق الأسس الأخلاقية. إذ أن من المستحيل أن يترك الفن ومصيره. وهو لا يستطيع كتعبير عن العبقرية الانسانية أن ينفصل عن السلوك الانساني، ولا يستطيع من ثم أن يكون عاجزا عن أن يكون له مغزى اخلاقي. وفي الحقيقة أن فضل الفن هو رغبته الزائدة في سبك الاقناع وتوجيه المواهب الانسانية.

ولا يمكن أن تكون ثمة صعوبة في معرفة اين يقف الفيلسوف الباكستاني الدكتور محمد اقبال من هذه القضية. ذلك انه صاحب نظرية معروفة فيما يتعلق بطبيعة ومهمة الفن، كما انه صاحب نظريات محددة فيما يتعلق بالأخلاق والدين والمصير النهائي للجنس البشري. والفن في رأيه بالدرجة الأولى ليس ظاهرة تلقائية لغزيرة اللعب. بل هو نشاط خلاق من أرفع طبقة يتوقف على موهبة الفنان بكاملها في مهمته. وان الفنان يجب ان يمنح عمله دم حياته. وقد قال في ذلك: "ان كل سطر اكتبه هو قطرة من دمي".

أما طريقة الخلق والابداع فهي مع ذلك طريقة سهلة كما قال: "مئات الليالي المضطربة، ومئات الاصباح العاصفة، ومئات التنهدات والحسرات، لابد منها لخلق بيت واحد من الشعر الممتاز".

ان طريقة الخلق الفني ليست حدثا انسانيا افراديا بل هي جزء من مجموع النظام العالمي، ويقول في ذلك اقبال "ان الاتحاد ليس عملا تاما، بل ما زال في طور التشكيل". وان طريقة الخلق ما زالت سائرة، وان الإنسان ينال نصيبه منها أيضا بقدر ما يساعد على وضع النظام في جزء من مادة الكون قبل تكوينه. ثم يمضي اقبال في الإشارة الى القرآن الذي يبرهن على امكان وجود خلاق آخرين غير الله الذي هو بدون شك

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤١٦