كذلك بالمغرب الأدنى، وانه وبلاد الجزائر أو المغرب الاوسط، ومراكش أو المغرب الاقصى، تكون معا وحدة جغرافية قائمة بذاتها تسمى بلاد المغرب، وان الصحراء الشاسعة التي تفصلها عن غيرها في الشرق والجنوب، والبحر في الشمال والغرب، جعلها في عزلة عن غيرها، ولكن انعزالها هذا لم يمنع التوسع العربي، وانما جعل للمغرب طابعه الخاص، ولهذا فقد كانت مظاهر الحضارة فيه أكثر محافظة وتمسكا بالقديم مع اتصالها بالشرق، حيث نستطيع أن ننقل حدها الشرقي الى الإسكندرية التي هي باب المغرب.
وقد كانت هذه البلاد قبل الفتح العربي خاضعة للدولة الرومانية، وما كاد يستقر الامر لعمرو بن العاص في مصر حتى دفعته همته الى السير غربا ليقضي على سلطان الروم في بلاد المغرب، ويؤمن بذلك حدود مصر الغربية.
وقد تم الفتح على دفعات متقطعة لا دفعة واحدة كما حدث في سوريا مثلا، واستلزم الامر اتخاذ قواعد على حدود مصر، ولهذا طال دور الفتح وكان بطيئا، ولقد كان قتال العرب مع البربر والروم قتالا شاقا استغرق نحو نصف قرن تناوب فيه النصر بين الفريقين، وكان أول ذلك غزو عمرو بن العاص لبرقة وطرابلس عام 21 للهجرة في خلافة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، يقول صاحب الاستقصا "فكان عمرو بن العاص أول أمير للمسلمين وطئت خيله أرض المغرب، لكنه لم يصل الى افريقيا ولا كان منه الببابر اسلام". ثم كان غزو عبد الله بن سعد بن أبي سرح لطرابلس وافريقية عام 26 للهجرة في خلافة أمير المؤمنين عثمان ابن عفان.
ثم جاء دور بني أمية وهم الذين رتبوا هذا الفتح ونظموه، فكانت غزوة معاوية بن خديج في خلافة معاوية ابن أبي سفيان عام 45 للهجرة والثانية غزوة (القيروان) على يد عقبة بن نافع الفهري سنة 50 للهجرة (670م) ويصفها ليفي بروفنسال بأنها الغزوة التي ارتكز عليها الفتح، وذلك انه حين بلغ المغرب اتخذ بها قاعدة سماها (القيروان) ومعناها المعسكر في العربية، وهي تقابل CARAVANNE بالفرنسية، وقيروان، سراي بالتركية قال صاحب قال صاحب الاستقصا: قال صاحب الخلاصة النقية:"اختط عقبة بن نافع القيروان سنة خمسين وجعل دور سورها اثنى عشر ميلا وبنى بها الجامع الأعظم". والحق أن السلطان العربي ظل مزعزعا في تلك البلاد حتى انتزع حسان بن النعمان عام 74 للهجرة في خلافة عبد الملك بن مروان من البربر والروم، جميع ما يعرف اليوم باسم بلاد تونس، وشيد قرب قرطاجنة قرية صغيرة كبرت فيما بعد وسميت بمدينة تونس واتخذ بها دارا لصناعة الآلات البحرية، ثم استولى خلفه موسى بن نصير عام 88 للهجرة في خلافة الوليد بن عبد الملك على معظم بلاد المغرب قال ابن خلدون:"غزا موسى بن نصير طنجة وصراء تافيلالت وأرسل ابنه الى السوس" وقد شيد في هذا الصر مسجد الزيتونة الشهير بتونس الذي شيده ابن الحبحاب سنة (114هـ).