تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وطيء الدهر لكل راكب في حين أنه هو المتصرف بأجياله وتاريخه وجميع نتاجه في كل ما يعرض له.

وكان بإمكانه أن ينام ليله رخيا ويعيش هنيا ممتد الآمال فيما لو ترك لرغبة أو رغبتين أن تحكماه وأن تصرفا شؤونه، أما والأشباح المخيفة والقوى المجهولة المختفية وراء أكمة العلم والفن والتقدم والفراغ الواسع وبطالة الضمير والقلق المزمن ورتابة الأشكال المملة تخالطه في صميمه وأصبحت أداة لتعطيل مواهبه (وردة إنسانية خطيرة) فقد يقرر لها كامل الحق أن تقيم إنسانا تافها جديدا على حساب الإنسان القديم.

وقد عملت الحضارة الحديثة في سبيل إضعاف الطاقة الإنسانية، وفي تحويل مجراها، وتعقيد مشاكلها والإيقاع بها - بما لها من مفاهيم ووسائل - ما يبدو كل شيء أمامها قاتما، وغير مجد عليها في تحديد خطها الإنساني الأصيل.

وكيفما كانت لهفة الناس وشوقهم وإعجابهم بها بالغا ما بلغ، وكيفما كانت سيطرة هذه المفاهيم الجديدة التي تواجههم وتأخدهم في تقلبهم، وكيفما كان فهم الناس لها واستفادتهم منها فقد تستحكم عليهم حلقاتها في النهاية، فلا يجدون معها في الأرض مقعدا ولا في السماء مصعدا، ويستولي عليهم من ذلك قلق عام يكون لهم من أنفسهم هزائم متلاحقة وذيولا من الخيبة في جميع الميادين.

وعلى صيحة هذه الأزمات، وجلجلاتها المدوية بدأ يستيقظ الضمير الإنساني، فأحس بالمرارة التي يعيش فيها، وبعنف هذه التجربة التي يمر بها من هذا المد الحضاري، وأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيه من جهد وعلى ما بذله من عناء ودماء متدفقة وعرق متصبب لقاء سلسلة من الأحلام أو الآلام.

وقد استجابت لنداء هذا الضمير الإنساني طلائع متحررة واعية، همست في أذن عشاق الحضارة الغربية في ظروف مختلفة، فنكتفي بالاستماع إلى صوت (توينبي): أن الفرصة الوحيدة لإنقاذ الحضارة الغربية بأسرها، هي في بعث الروح الديني بأوسع معانيه، إذ أن هذه الروح هي ينبوع الفعالية الفردية، والأفراد هم أسس الحضارات.

ولنستمع أيضا إلى (غوته) وهو يشيد بتعاليم الإسلام، ويعترف بتفوقه في صياغة أجيال بشرية استقامت لها الدنيا، ومهدت لها السبيل، قائلا: إن هذه التعاليم لن تفشل أبدا، فجميع رسائلنا لا تستطيع، ولا يستطيع أحد أن يصل إلى أبعد أو أحسن منها.

هذا هو الإسلام في نظر خصومه.

وكل الدلائل تدل على أنه إذا كان هناك شيء يصيب المسلمين في صميمهم فهو من هذه الجوانب الروحية الغامضة التي أساءت إليهم أفظع الإساءات.

ولا خلاص لهم من حيرتهم ولا مخرج لهم من قلقهم وأزماتهم التي يتخبطون فيها إلا بملء الفراغ الذي أحدثته ترقيعات التقدمية، وبإهالة التراب على فجواتها العميقة، وبتحطيم قنوات الفساد العريض الذي لا يعدم أنصارا ومروجين.

صن لسانك. ..

اعلم أن لسانك أداة مصلتة يتغالب عليه عقلك وغضبك وهواك وجهلك. فكل غالب عليه مستمتع به وصارفه في محبته فإذا غلب عليه عقلك فهو لك، وإن غلب عليه شيء من أشباه ما سميت لك فهو لعدوك.

فإن استطعت أن تحتفظ به وتصونه فلا يكون إلا لك، ولا يستولي عليه أو يشاركك فيه عدوك، فافعل.

عبد الله بن المقفع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٠٩