دعوة الحق، س3 - ع8 مايو 1960 .................. ص58
من وحي اكادير
للاستاذ عبد الله العمراني
كنت - يا اكادير -موطن جمال الطبيعة وسحرها الذي خلب الالباب، ولفت الانظار، وجلب الرواد من كل حدب وصوب، كنت مبعث كثير من التأمل والتفكير، لانك تحليت- يا اكادير -بكثير من معاني العظمة التي تجلب في امواج المحيط العاتية، وهامات جبال الاطلس المشرفة الشامخة، فكنت بين هذه وتلك كعروس مجلوة فوق منصتها.
هكذا خيلت لنا احلامنا -على الاقل- وما كنا في الحقيقة لنتصور انك كنت وسط هاتين النهايتين (علو الجبال السامق، وعمق البحر السحيق) تعيشين في خطر، وتنتظرين - الى اجل محدود في لوح القدر المسطور- ان تنحدري الى الهاوية الماحقة ... وقد كان.
كنت يا اكادير -معقد الرجاء، ومحط آمال خلق كثير، تروج بضاعتك، وتنفق سوقك، ويجد فيك العامل ما يعمل، والصانع ما يصنع، فانت حركة دائبة وعمل مستمر، ثروة ثمينة ... والكل يعيش في كنفك راضي البال، مرتاح الضمير، ولم يكن يدور بخلد احد ان كارثتك ستكون سوداء، وضحاياك ستظل جسيمة، وخسائرك ستبقي فادحة.
كنت مهبط الوحي لدى الكثير من الكتاب والشعراء، ومنتجي الراحة والاستجمام من عامة الناس وخاصتهم، والدليل ضحاياك انفسهم، ففيهم الكاتب القصصي، وفيهم الشاعر المجيد، وفيهم غير هؤلاء من مختلف أنحاء الكون، وسبحان من جمع العالم في واحد.
كيف كنت -يا اكادير الشهيدة- وكيف كان المصير؟ بل ما هذا الغدر البين؟ أهو منك؟ اذ سخوت ببنيك ودفعت بهم -واعية او غير واعية- الى أنياب القدر الكاشرة، وغضبة الطبيعة الكاسرة؟ أم انك كنت أنت نفسك الضحية وكبش الفداء لغيرك من مدن المغرب، فلم تشعري الا وقد استحالت مفاتنك الى فتنة للناس عارمة، وأصبحت مغانيك وكان لم تغن بالأمس؟.
كم كانت الأقوام ترتاد ساحتك، وتتملى مفاتنك، وتشاهد محاسنك عن كثب قبل أن يقع المحذور، ويحدث الحادث المؤلم، ولكن الإرادة الالهية شاءت أن يقع بعض الأقوام في الشرك فيصابون وهم براء، لحكمة لا ندريها ويدريها الخالق جل جلاله.
كيف حصل الزلزال الكاسح؟ أهي انتفاضة منك أردت بها ان تزيحي عن كاهلك غبار العصور المتطاولة ففقدت توازنك وهويت بمن فيك الى قعر الفناء؟
أم هو تأديب من الله، وقمع للناس الذين ربما نسوا خالقهم العظيم، فتعاظموا وطغوا وتجبروا، وحسبوا انهم كل شيء وماهم -في الواقع- بشيء؟
أم ابيت الا أن تكوني الدليل الجلي على تغير العالم وتقلبه، ذلك التغير الذي يراه المناطقة وعلماء التوحيد دليلا على حدوث العالم وطروئه، بينما يراه غير المناطقة وعلماء التوحيد سيفا مصلتا فوق رؤوس العباد ينذرهم بكوارث يشيب لهولها الولدان؟.
اكادير الميتة، لمن يقدم فيك العزاء؟ المن دفنوا أحياء تحت الانقاض، فاخرج اكثرهم ليدفن مع الاموات، وبقى بعضهم اكثر من أسبوع لينقذ ويعالج مع الحياء؟.