تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استنفدت ما لديها من جهد، في تقويم هذه الحركات تقويما صحيحا، وربط ما بينها من صلات، وأبانت عن كثير من أسباب انتصارها وفشلها، والتي ترجع في جملتها إلى تخلي الفرد الإنساني - عندما تتلاحق عليه عوامل فشله - عن مهمته الخلاقة في الحياة وعن مثله الأعلى، وابتعاده عن الروح الانشائية، ومساهمته في الصمت عن التحديات التي تنهال عليه.

وقديما تأله الأباطرة والفراعنة - لا لشيء تجدد في مفهوم الإنسان ولكن لأنهم وجدوا أمامهم سلالات بشرية تافهة، وقصاصات إنسانية متناثرة هنا وهناك تخدمهم بلا وعي، وتجري في مرضاتهم إلى أبعد الحدود، فكانوا بدل أن يكونوا من القوات المتحركة الزاحفة في مجتمعاتهم من ضحاياها الأقدمين، وقد كان من النتائج السيئة لذلك أن تحللت هذه المجتمعات، وطوى بساطها الذي كان منشورا على مهاد التاريخ واختفت آثارها إلى غير رجعة.

والوقع أن العالم منذ أقدم العصور تضطرم جوانبه في خصومة متصلة الضرام بين أمرين جوهريين لحياته: هما حرية الفرد ونظام الجماعة.

أيساند مبدأ حرية الفرد، أم يساند نظام الجماعة، وأيهما ينال حظوظه الموفورة من اهتماماته الأولى، وإلى أي حد؟.

وقد يذهب الناس بعيدا في استثمار هذين المبدأين لغير صالح الإنسانية، ولطالما شبت الحروب والثورات بين الشعوب في مختلف العصور تحت ستار الدفاع عن حرية الفرد، وآونة أخرى تحت الاستظلال بلواء الحفاظ على نظام الجماعة، وحماية السلم العالمي، وهي لا تريد من ذلك إلا بسط سيطرتها وتوسيع رقعتها، واحتكار الشعوب لفائدتها، واستخلافها في أرضها إذا اقتضى الحال، مستعملة في ذلك أكثر مما يلزم من المهارة الفائقة في العرض والتوجيه، فكيف يوفق بين هذين المبدأين، ومن أين لنا أن نظفر بحل عادل تلتقي عنده مآخذهما، ويضمن تكافلهما، بعدما تخلت الأديان عن الميدان، وبعدما نزل الناس على حكم (أن الحق يكمن في القوة) وبعدما استمروا في اتجاه خط اللصوصيات الدولية، ولم يغيروا من نظرتهم إلى الأشياء لما يرد على الناس اعتبارهم ويصون عليهم كرامتهم لا في قليلها ولا في كثيرها.

وقد يفضي بنا البحث عن خير أداة للتوفيق في هذا الموقف - بعد الاختبار الطويل وبعد المقارنات والموازنات - إلى أنه يجب علينا أن لا نتخطى حدود مقررات الإسلام، فإنه كعلاج لمواقف الإنسانية، وكحراسة لكل مرحلة من مراحل حياتها - كان له - في فكرته وفي نظامه وفي قضائه وتشريعه المجال الواسع والتوفيق كله في تقريب مسافات الخلف بين ما يبدو من متناقضات الظواهر الاجتماعية والنفسية وغيرهما، إذ إنه كان ولا يزال يمتاز بطابع جماعي في جميع تصرفاته ويطالع الناس في جميع الفرص بامتداده الواسع - مع مطالب الزمن ومع مطالب الفرد ومطالب الجماعة، وقد يجد الإنسان نفسه حينئذ أمام حقيقة راسخة من حقائق الإنسانية العليا يجب الصراع من أجلها والوقوف في وجه أعدائها والتثبت فيما نسب إليها.

وإني أكتفي هاهنا بمثل واحد من مثل الإسلام الحية - كتدعيم لحقوق الأفراد وحماية نظام الجماعة باعتبرها جزءا من كل لا يتجزأ - وهو يرجع إلى القاعدة الاجتماعية القانونية التي لم يهتد إليها القانون الوضعي إلا في العصر الحديث وهي المعروفة بـ (نظرية سوء استعمال الحق) والتي أقرها الإسلام في عهوده الأولى ونفذها على يد خليفة رسول الله عمر بن الخطاب مستوحيا إياها من روح الشريعة الإسلامية ومن خصائصها الخالدة قبل أن يشعر بالحاجة إليها التشريع الغربي، فقد كان للضحاك بن خليفة الأنصاري أرض لا يصل إليها الماء إلا إذا مر ببستان لمحمد بن مسلمة فأبى محمد هذا أن يدع الماء يمر بأرضه فأتى الضحاك عمر بن الخطاب وشكا إليه الأمر، فقال عمر لابن مسلمة: أعليك فيه ضرر؟ فقال: لا، فقال له: فوالله لو لم أجد له ممرا إلا على بطنك لأمررته عليك؟ وكان أن نفذ ما قضى به وكان في هذا خير لهما معا وكان فيه الخير لجميع الأجيال أيضا وتقرير لحق من حقوق الإنسان هو في حاجة إليه في كل عصر، ولذلك نظائر في التشريع الإسلامي أجدني في غنى عن استيعابها.

هذا تصوير سريع لشرور هذه الأزمة الإنسانية التي اكتست عدة صور والتي تشكلت لها مواكب في ضمير الإنسان وفي روحه وفي معنى وجوده كله يوم وجد نفسه وجها لوجه أمام سيل من المشاكل وتكونت من أجل ذلك عقد مستعصية في حياته العامة وفقد معها المثل الأعلى حتى الذي أصبح معها سلس الزمام لكل قائد،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٠٨