وإذا جاز لنا أن نرجع بنجاح الإسلام إلى شيء فلن نجد أمامنا ماهو أجدى علينا أكثر من فكرته الأولى قبل أن تخالطها الكهانات المختلفة في نزاهة مقصدها ونبل غرضها ووضوحها وسهولتها ومرونتها، وجمعها الأطراف الإنسانية كلها أولاها على أخراها.
لم يبق هذا سرا مكتوما عن الناس -لو كان رائدهم الحق والإنصاف- وإذا جاز لهم أن يشكوا في شيء فغير جائز لهم هنا أن يشكوا في حقيقة أصبحت ملء سمع العالم وبصره، ضمت كثيرا من رقع المعمور في كنفها من غير قسوة ولا إكراه.
ومهما يبلغ المتجنون من البراعة في صياغة تجنيهم، فلن يستطيعوا أن يخلعوا عليه ثوب البحث العلمي النزيه، بالغا ما بلغوا من كثرة وبالغا ما بلغ الإسلام من قلة.
وقد كان سوء حال المسلمين، واختلاط قيم الإسلام عليهم، وعدم تمثيلهم الإسلام تمثيلا صحيحا، والدفاع عنه بالباطل مما أملى على الناس ضراوتهم بخصومته، والنيل منه والكيد له وأمدهم بمدد لا ينضب له معين، بالإضافة إلى سوء القصد وعدم تخطي حدود الغرض والهوى الذي يمتص خصوبة الحقيقة ويهدر كرامتها ويهدم مقرراتها.
وهكذا اشترك أولياء الإسلام وأعداؤه على السواء في نسف تعاليمه من نفوسهم وابعادها عن نطاقهم والحيلولة بينها وبين مطاليب الحياة عامة، وجعلها في خدمة أغراض أخرى بعيدة عن طابع الإسلام وعن لحنه وذوقه.
ومع هذا كله ليس في هذا ما يحمل على الظن بوقف عمل الإسلام في تثبيث دعائم الوحدة الإنسانية التي يعمل من أجلها - والتي هي حقيقة عملية في كل شيء إلا في روح الإنسان وضميره - بل كل ما حدث أنه تكون من المجموع مناهل تاريخية جسيمة الأثر تعرف الناس منها حقيقة الإسلام وعلى وثائقه الرائعة، وعلى قيمة الشبه التي تنسب إليه وعلى قيمة النعوت التي تضاف إليه وتلصق به.
وقد كان لأصحاب المطالب الكبرى في الإصلاح الإسلامي الأثر الكبير في إحياء شعور الإسلام الحقيقي وفي تصويره للناس على النحو الذي أراده الله له ليكون كامنا في أعماقهم وممتدا مع حياتهم، ومقوما لما مال من شؤونهم.
والنتيجة الحتمية التي تستطيع الاطمئنان إليها أن المجتمعات الإسلامية التي اقتحمت عليها مناطقها ضروب من النشاط السياسي والاجتماعي والفكري والحضاري، وأصيبت بانتكاسات، وتسربت اليها مفاهيم جديدة تحت إطارات مختلفة -ولا بد لها أن تعيش داخل قيم جديدة- لن تقوى على مغالبة هذه التيارات كلها إلا بتصحيح أوضاعها الخاطئة من وحي قيمها ومقوماتها، ومن إلهامات مبادئها الحقيقية، وإلا بتصفية متناقضات حياتها الاجتماعية والروحية والسياسية وبالأخلاص لفكرتها القومية، وتقوية كيانها داخل حلقاتها الأولى التي أفرغها لها التاريخ، وصاغتها لها الأجيال، وباركها الإسلام.
وستظل في مفترق الطرق مشلولة الحركة، ومحرومة من الإحساس بكل تطور حقيقي -رغم هذه الحركات المتنوعة المظاهر والأغراض- إذا هي لم تحاول استخلاص العبرة النافعة من بين ثنايا تاريخها الطويل، وواقعها الاجتماعي الذي تعيش فيه وتراثها الروحي الذي تنهل منه.
هذه صورة من صور الأزمة الإنسانية التي كانت مصادرة الدين واستيصاله تماما من مفهوم الحياة الاجتماعية المعاصرة مصدر نشاطها، وبداية انطلاقها.
وليس لنا من غرض في هذا الإلماع أن نستوفي ما كتب عن الإسلام من قضاء جائر وحيف ظاهر ولا أن ندلل على مدى ما حققه من انتصارات في جميع الميادين وعلى عدم إصابته بما تصاب به بعض الحركات التاريخية عادة - في مثل انطلاقاته وفتوحاته ومساوماته من طرف أعدائه - من منافسة ووقعية وتحلل، فإننا نجد أنفسنا في حل من ذلك كله ما دام الناس يجدون أنفسهم - في مخلف الأوقات - بحاجة - إما عن حسن قصد وإما عن سوء نية وحقد - إلى التعرف على صدق جهوده، ومقاييسه، وتقدير خطواته، ومفتقرين إلى تحديد نتائجه عند قياسها بنتائج حركات أخرى.
وإنما الشيء الذي لا غنى لنا عنه أن نتفهم ما تمخضت عنه الأحداث ونتعمق في الفروق الواضحة بين تلك الحركات الإنسانية، ومدى فعلها وتصرفاتها في الحضارات المختلفة، وردود فعلها التي تمشي باستمرار مع المد الحضاري.
ولربما لا يكون من العسير علينا حينئذ أن نضع أيدنا على حظوظ واسعة، وعلى وثائق هامة، قد