تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س3 - ع8 مايو 1960 .................. ص54

الأزمة الإنسانية

للاستاذ: محمد العيساوي

ليس في استطاعة الإنسان -وإن أوغل في سيره بأهوائه ونزواته- أن يعيش بدون مثل، والإنسان المطلوب في هذه الحياة ليس هو الذي تجرد من خصائص إنسانيته الأولى تحت إلحاح نهمه الحيواني الحاد، وإنما هو الإنسان الذي يستطيع تحمل أعباء إنسانيته التي تكمن في بث معنى وجوده، والتي تنساب مع فكرته وروحه وغريزته، وينفعل معها على نسب متميزة متساوقة مع خطه الأفقي الواعي.

تطور الإنسان وتدرج في مدارج الكمال، وقطع مراحل واسعة من إنسانيته -من غير أن يكون لنزوعاته المتمردة أي دخل في تكوينها- ومرت حضارات مختلفة هي من صنع أجياله، وتعاقبت عليه تلك الدورات الحضارية التي لا تقل في مجموعها عن ثمان وعشرين دورة حضارية، وعن عمرها الذي لا يقل عن 16 ألف سنة.

فماذا حدث؟ وماهي الاستفادات التي حصل عليها الإنسان؟ لنذر هذا جانبا.

تكون في محيط هذه التموجات، وفي خضم هذه السنين الطوال أناسي كثير، الإنسان النموذجي، والإنسان الحيواني، والإنسان الخرافي، والإنسان المفكر، والإنسان المتدين، والإنسان الآلي، بيد أنه- وإن امتدت به الأيام وطالت به السنون، واستولت عليه حينا من الدهر ضروب نشاطه وكفاحه وتأملاته- لا يبعد به ذلك عن الاستجابة الفطرية لنوازعه التي ينطوي عليها في قرارة نفسه، من ضرورته إلى الاتصال بالله، وحاجاته إلى فيوض مدده المطرد، الذي يضمن له سيره ونموه وتلاحق خطواته، وتوازن قواه التي أودعها الله فيه.

ولم تكن هذه الاستجابة الروحية - التي هي من وحي إنسانيته - مفروضة على حساب القوى الإنسانية الأخرى، التي لا يمكن بحال قتلها، أو وقف سيرها، وإنما على حساب تقدير الخطوات لهذه القوى كلها كيما تؤدي وظيفتها على صعيد واحد، ومع تفاعل مستمر لضمان سير الخط الإنساني إلى أبعد مداه.

عاش الإنسان -وهو سليل أولئك الأبطال الذين استنزلوا الأحداث من معاقد عزها، وعاشوا في مختلف فترات التاريخ - وأيديهم مبللة بندى الإنسانية يحركون بذلك عجلاتها - وهو يمارس شؤونه، ويستثمر حياته، ويتخذ الخطوات العجيبة ويستوثق من صلابة الطريق الموصلة إلى انتصاره، يعمل جاهدا لينال عيشا رخيا، وسعادة موصولة ومرتبة أسمى.

ولم يفته أن لقى في طريقه حظوظا واسعة في كل ميدان، وامتدت به آماله المتفاوتة بتفاوت الجهود التي كان يقوم إزاء التنحية المستمرة لنفايات إنسانيته.

وقد كانت المكاسب التي أتيحت له -من بين انتقاصه العمراني وتراجعه الزمني في بعض الأحيان- رهينة بقدرته على التحكم في مستواه الوجداني، وتحديده لمناهجه، وتخفيفه من ضغط تياراته، وتوفيقه في الربط بين أجزاء إنسانيته كلها وحفظ التوازن بينها، والعمل على أنها فكرة إنسانية اشترك في تكوينها عدة عناصر مثلما يشترك الشكل والرخام في رسم التمثال، فإذا ما أردنا تغيير شكل التمثال فلا مندوحة لنا عن تحطيم الرخام، ومن أجل ذلك كان من الخير لنا أن نفهم أنه يجب الأخذ بها جميعا، والمزج بينها مزجا متناسبا يحقق الفائدة المرجوة من الجميع.

وكان من فضل الله على الإنسانية أن كانت طريقة الفكرة الإسلامية في بناء الشعوب تعتمد على هذا الأساس، وعلى هذا التوجيه،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٠٦