المجامع اللغوية العلمية في شؤون اللغة ورسم مناهج العمل في هذا الشأن الخطير حتى تستعيد اللغة العربية سيرتها الأولى التي وسعت الشرائع والعلوم والحضارات القديمة وتتجارى في العصر الحاضر مع اللغات العالمية المماثلة1 ... ».
ولهذا فقد كان المؤتمر كناية عن خطوة تمهيدية فقط لانجاز المشروع الهام الذي راودت فكرته الأذهان والذي يتمثل في تأسيس اتحاد للمجامع العربية تتكفل بتنظيم الصلات بين «المجامع العربية ووزارات المعارف والإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، على ان تتحدد صفته كمرجع أساسي لتوحيد المصطلحات التي تضعها المجامع والمؤسسات العلمية والعلماء طبقا لدستور محدد للتعريب وقياسية بعض الأوزان والجموع"2.
*
لقد كان تحديد صفة الاتحاد المفترض كمرجع أساسي للتوليد اللغوي -بالاضافة الى التفكير في وضع دستور منهجي لعمليات الترجمة والاشتقاق والتعريب- كان كل ذلك خطوة رئيسية نحو تحديد نطاق التناقضات الاصطلاحية التي كانت من أهم العراقيل في طريق انبعاث لغوي عربي سوي، اذ عليها يتوقف نجاح النشاط المجمعي الذي لا يجوز نكران ما أسداه إلى العربية من خدمات موفورة، ولا ريب أن هناك كثيرا من التعقيدات التي تعترض المجمعيين العرب في استحداث المصطلحات الجديدة الملائمة، وتتضاعف هذه المعتقدات -بحق- كلما كان هناك نزوع الى التقيد بمبدا ايثار الوضع على التعريب، وخاصة في الحقول العلمية حيث يفترض للمصطلح الجديد أن يكون -الى جانب سلامته اللغوية طبعا- دقيق الدلالة، محدد المضمون، معدا لتقبل التغيرات الصورية التي تحتمها أحيانا ملابسات التعبير وظروفه.
كل هذا يشكل بالنسبة لرجال المجامع العربية مركبا من المصاعب والتعقيدات متعددة الصور والاشكال ولكن هذه المصاعب نفسها لم يكن لها ان تساعد على خلق كل هذه البلبلة اللغوية في العالم العربي لو كان الاهتمام بوضع اللفظ يوازي -على الأقل- العناية بنشره واذاعته وتوطيد مكانته وتوحيد صورته في مختلف ارجاء الوطن العربي.
لقد سلف لكثير من المجمعيين ان تعرضوا -في تقاريرهم الدورية- لهذه الناحية بالذات ولكن الحلول التي كان يرتئيها العديد منهم لم تكن تعدو نطاق الامكانيات المعنوية التي تتوفر للمجمع كالتقريب بين الدارجة والفصيحة وتبني المصطلحات العامية وايثار مبدأ النقل على الوضع الى غير ذلك.
وقد كان قرار مؤتمر دمشق للجامع العربية بتنسيق التعاون بين اتحاد المجامع المرتقب وبين الحكومات والمنظمات الرسمية العربية كالأمانة العامة للجامعة العربية - كان ايذانا بتبلور اتجاه عملي للنشاط الجمعي وارهاصا بقرب دخول مشكل الوضع اللغوي في طور جديد وحاسم نسبيا. بيد أن الأعوام القليلة التي تلت انعقاد المؤتمر لم تنقض دون ان تبرهن على أن هذا المشكل لا يزال على تشعباته وتعقداته المعهودة أو هذا -على الأقل- ما نحس به هنا في هذا الجزء الغالي من الوطن العربي الأكبر.
وآية ذلك في القرارات المتخذة في المؤتمر -على افتراض امكانية وقوع تطبيقها فعليا في جناح العروبة الشرقي- فان آثارها تعد سلبية ومعدومة تماما بالنسبة الى أقطار المغرب العربي- كما هو ملحوظ فعلا- فهذه الأقطار لا توجد -عمليا- على أي اتصال بعيد المدى والمفعول بنتاج النشاطات المجمعية، وليس لذلك من نتائج بالطبع الا المساعدة على ازدهار محاولات الوضع اللغوي الفردي والاسهام بالتالي في تعزيز عناصر المشكلة التعبيرية الأساسية. ومن شأن كل هذا بالطبع أن يعين على استمرار المحاذير الآتية:
1) تدني مستوى الترجمة العلمية والفنية بالنظر لانعدام وجود مجامع محلية -كما هو الشأن في الشرق-
اضطرار البعض -ممن لهم بعض القدرة اللغوية- الى محاولات الوضع الفردي مما يؤقلم بعض المظاهر التعبيرية في هذا البلد ويضاعف من أزمة المصطلحات العربية بصورة عامة.
1) الديباجة المتصدرة للمقررات.
2) من مقررات المؤتمر ايضا.