تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فردية او شبه فردية، لان كل شكل تعبيري في هذه اللغات تتحدد صورته ويتكامل قوامه باعتبار الخصائص والمميزات التي تساهم في تكوين طبيعة اللغة وتحدد كيانها. وعلى أساس هذا نستطيع أن نبرر وجود هذه النسب من التغاير في النطق بكثير من الاعلام الجغرافية نتيجة لتعدد اللغات وتباين مناحيها واختلاف جذورها وأسرها. ولهذا فإننا نلحظ أحيانا -اذا ما قمنا بمقارنة بسيطة- ان طبيعة الانجليزية والأمانية مثلا توحي بطرق مخصوصة ومتقاربة في النطق ببعض الأعلام الجغرافية المعينة، بينما توجد الفرنسية والاسبانية والايطالية وكل منها يتميز بطرق اخرى في نطق هذه الإعلام تختلف كثيرا أو قليلا عن الطرق الأولى. وسر ذلك يؤول -كما يلوح- الى ما يوجد بين لغة «شكسبير» و «نيتشه» من روابط جرمانية وإلى ما يلاحظ بين الفرنسية واخوتها من أواصر لاتينية عريقة، بل ان هذه اللغات الأخيرة أيضا تنطوي فيما بينها على كثير من مظاهر الإختلاف في النطق بالاعلام واملائها ما يبرره اختلاف العوامل المختلفة التي صاحبت نشوءها، والمقتضيات الخاصة التي اسهمت في تكوينها.

ان الفوارق الصوتية التي تنطبع بها هياكل بعض الألفاظ المشتركة بين اللغات (كالأعلام الجغرافية مثلا) قد لا يكون لوجودها مبرر معنوي معقول، ولكنها -مع ذلك- تشكل احيانا مظهرا من مظاهر التمايز العام الذي يوجد بين مختلف اللغات والذي يمنح لكل منها شخصيتها الفريدة وطابعها الذاتي الخاص.

على ان الامر بالنسبة للعربية يتناقض مع هذه المسلمات بعض التناقض فكثير من الاعلام الجغرافية الحديثة لا تتحدد لها في السنة المتحدثين العرب صور معينة مخصوصة تتلاءم وطبيعة اللسان العربي وتنسجم مع لحنه وروحه، بل انها تتأرجح دائما بين الصور الأجنبية من فرنسية وانجليزية واسبانية بحسب نوع التأثير اللغوي الأجنبي الذي قد يوجد المتحدث واقعا تحت مفعوله، ومن ابسط الشواهد على ذلك ما يلاحظ عل الاذاعيين العرب في البلاد الأجنبية من تباين في التعبير عن بعض الاعلام الجغرافية، حتى اذا ما اوغلت في استقصاء سر ذلك التباين وجدته متأصلا عن الاختلاف اللغوي الحاصل بين البلاد التي يتحدثون منها، ذلك ما لا يلاحظ على من هم في نفس الوضعية ن الاذاعيين الفرنسيين أو الانجليز مثلا، على أنه ليس منن الضروري أن تكون للعربية طريقتها الفريدة المخصوصة في التعبير عن المسميات م هذا الصنف، فقد يسوغ مثلا ان نتبنى طريقة احدة اللغات في الموضوع كالانجليز مثلا، وقد نفعل ذلك بعد أن نلحق باللفظ العربي ما يلائم طبيعته من تعديل جزئي أو غير جزئي، الا أن الذي يهم أكثر من ذلك هو أن تكون طريقة معينة توحد مذاهبنا في النطق بمثل هذه الألفاظ وذلك ما لا تتوفر عناصره الآن.

على أن ميدان الترجمة الحديثة وما في بابه ليس بالضرورة وحده العامل الأساسي الوحيد في استمرار مظهر التناقض الاصطلاحي الذي نعاني منه، ان هناك من العوامل القديمة أيضا ما يزيد في تعقيد المشكل ويضاعف من تشعباته، ومن ذلك ما تزخر به المعاجم العربية القديمة -كما لحظناه- من ألفاظ يعوزها التحديد فيالدلالة والتدقيق في المفهوم ويشوب مؤداها الكثير من الغموض والابهام. ومن الواضح ان جملة هذه الألفاظ العربية أو الدخيلة قد يكون من الجائز الاعتماد عليها في التدليل على ما يوازيها أو يقاربها من المدلولات الحديثة والطارئة، ولكن اللجوء الى مثل هذه الاستعمالات -ضمن دائرة الجهاد الفردي ودون رقابة مجمعية رسمية- كان هو الآخر أساسا لكثير من مظاهر الفوضوية الاصطلاحية التي لها دلالتها وذلك بالنظر الى ما يحدثه غموض اللفظ من اختلاف في دلالته ومضمونه، الامر الذي يؤدي بالطبع الى تعدد مواطن استعماله بدون تحديد أو تدقيق، ومن المنطقي ان يشكل ذلك أساسا تتسرب بمقتضى وجوده بعض عناصر الارتباك والهوش الى كثير من المعاني اللفظية في التعبير العربي مما يخل أحيانا ببعض وضوحه ونصوعه. وثم الى كل ذلك عامل آخر له كثير من الارتباط بالظروف التاريخية التي اجتازتها كثير من البلاد العربية، وهذا العامل هو نتيجة الاحتكاك بالغزاة القدماء او المحدثين الذين سبق لهم في فترات متفاوتة ان مارسوا أنواعا من السيطرة السياسية أو غيرها على بعض ربوع الوطن العربي. لقد كان من المعقول أن يخلف هذا الاحتكاك آثارا متعددة في كثير من جوانب الحياة العربية العامة، ومن ذلك ما تم من تسرب لغوي أجنبي لا نزال نلحظ آثاره الى اليوم ويمكننا ان نتخذ نموذجا لهذا التسرب: المصطلحات التي تتصل بمجال الحياة العسكرية وخاصة منها ما يرتبط بميدان الرتب والدرجات وما يليها، لقد كان الاحتلال العثماني لأقطار الشرق الادنى والأوسط أساسا لتسرب كثير من الاستعمالات التركية في الموضوع الى مصر والعراق وغيرهما. ولم يشذ المغرب عن القاعدة بالرغم مما كان له حينذاك من

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٠٢