الكتاب والمترجمين من المعاني والمدلولات الغربية الدقيقة مما يحتم عليهم الاعراب عنها اللجوء الى أنماط وأساليب من التوليد اللغوي الفردي يانف منه آخرون ويستهجنونه فيلجئهم ذلك إلى اصطناع أوضاع جديدة قد لا يقرها فريق ثالث وهكذا ذواليك. وليس لذلك من نتائج في الغالب. الا زيادة اتساع الرقعة التي يمتد عليها خط التناقضات الاصطلاحية في التعبير العربي الحديث وخاصة في بعض الجوانب المعينة. والحق ان من بين العوامل التي تضاعف من هذه التناقضات وتزيدها حدة: عدم التناسق بين المجامع العربية القائمة وتركز الصفة الاستقلالية التي تميز اعمال البعض منها. لقد سجل النشاط اللغوي -حقا خلال العقود الأخيرة آثار مبادرات محمودة لهذه الهيئات العلمية الموقرة، وأن كثيرا من هذه المصطلحات المستحدثة التي تدرج في كتاباتنا ومخاطباتنا اليومية لا توجد غريبة في نشأتها عن أحد المجامع الثلاث، الا أن محدودية المجال الذي يتسع له التعاون بينها لم يكن من شأنه ان يعين على توفير ظروف نشاط اكاديمي عربي بعيد عن النتائج، وذلك بالنظر الى تفاوت النتائج التي تتوصل اليها هذه المجامع واختلاف الأساليب التي تنتهجها والطرق التي تتقفاها وما يتيحه كل ذلك من اتساع المجال أمام بوادر الاجتهاد اللغوي الشخصي بما له من مضاعفات سيئة على الوحدة التعبيرية المنشودة، والأمثلة التالية لها دلالتها في الموضوع: ressort مثفر -زنبرك- رفاس- نابض- دوارة encyclopédie ينسكلوبيديا، معلمة موسوعة، دائرة معارف -هيدروجين-مولد ماء-هيدريج-ادريج.
وقد كان من الجائز ان تكون نتائج المشكل اقصر مدى واضيق نطاقا لو كانت تتصل ببعض الجوانب المحدودة من الحياة اللغوية من صنف التي عرضنا لبعض نماذجها من قبل، ولكن الأمر يرتبط فعلا بكثير من المجالات الحيوية التي ينهض عليها -كما هو مفروض- بناء انطلاقاتنا الحضارية الحديثة ومن صور ذلك: هذا الاضطراب الواسع الذي تتميز به الدراسات والاختزالات الكميائية في كثير من المظان العملية العربية فهذه الاختزالات لا يكاد يوجد لها في العالم العربي دستور لغوي يحدد صورها واشكالها ويوجد التعبير عنها بصورة او باخرى، فالى جانب من يرى أنه من الضروري تعريبها بشكل او بآخر يوجد ثمت آخرون ممن يناصرون مبدأ الاقتصار على نقلها الى العربية في صورها الغربية وبالحروف اللاتينية وقد كان مؤتمر المجامع العربية الذي التأم بدمشق (29 - 9 - 1956) مناسبة عانة انتهزها الدكتور يحيى الهاشمي (سوريا) لاثارة هذا الموضوع وقد كان في الواقع شديد الحماس لنقل هذه الرموز دون تعبيرها لان: « ... هذا التعريب يحدث بلبلة كبيرة حيث أن هذه الرموز غير متفقة في البلاد العربية ويعمم فرضها على جميع البلاد العربية، وقد نضيع في نضيع في ذلك وقتا ثمينا وجهودا قيمة في اشد الحاجة اليها -هذا بالاضافة الى اننا لا نزال مفتقرين للتعميق في الكمياء الى مراجعة الكتب الاجنبية فنحن لا نستغني عن معرفة الاصطلاحات الدولية، وتعليم الطالب اصطلاحين يثقل ذاكرته ويزيد الصعوبات بدلا من ان يقللها، والطريقة المتبعة اليوم هي تقليل الصعوبات لا زادتها، خاصة وان هذه الرموز هي مصطلحات عالمية ولا عنى لنا عنها (2) ... » ومن الجلي أن الكثيرين من الاعضاء لم يكونوا يشاطرون العضو السوري رأيه في الاصلاح اللغوي طبقا لمثل هذه الطريقة الانقلابية ولهذا لم يتم -كما يلوح- اقرار هذه المقترحات المعروضة ولو في شكل معدل ومحور، غير أن ذلك بالطبع لم يسهم- ولو جزئيا -في حل المشكل الذي بقي يثمثل فيما يسود كتابة الرموز الكيميائية في العربية من اضطراب بالغ نتيجة لتأرجح الكثيرين بين مبدأ النقل أو التعريب وبين احتذاء الطريقة الفرنسية أو اتباع الطريقة الانجليزية الالمانية (3). وليس ذلك جديرا باقرار روح النظام والدقة في كتاباتنا العلمية والفنية باللغة القومية كما هو الشان بالنسبة للغات الراقية الاخرى على اننا اذا ما تحولنا بعد ذلك -ونحن بصدد استعراض مظاهر ازمتنا اللغويه القائمة -عن حقول المباحث العلمية الكيميائية فاننا نلمح هذه الازمة آثارا واضحة في ميادين اخرى أقل أهمية وتعقيدا، ومن ذلك ما يتصل بالاعلام الجغرافية الحديثة والمشاكل اللفظية الناشئة عن صورتعريبها. ومن البين أن معظم هذه الاعلام تأخد في كثير من اللغات الغربية المعاصرة أشكالا في الكتابة والنطق لا يسوغ مطلقا أن تعدلها «أذواق»