تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنه ليس من العسير مطلقا استجلاء مظاهر هذه الأزمة ما دام أن نتائجها تجثم بالفعل على وضوح الكثير من الكتابات العلمية والفنية والفلسفية باللغة العربية وتحيطها أحيانا بععض شوائب الاضطراب الغموض واذا كانت آثار الأزمة تتجلى في بعض المواطن العربية بهذا لاشكل وعلى هذا المستوى الذي يعني خاصة جمهرة المثقفين وطلبة الجامعات فإنها -في المغرب- تاخذ طابعا أكثر حدة وأوفر اتصالا بحياة الجماهير واهتماماتها. واستعراض بعض النماذج المعروضة على الواجهات الشارعية يمكن أن يبرهن لنا على مقدار اتساع المشكلة التعبيرية عندنا ووضوحها فيما نترجمه من عناوين تجرية أو صناعية وفيما ندلي به من مصطلحات معينة تشتمل فيها مظاهر الحيرة بين الترجمة والتعريب والتردد بين الأوضاع المنقولة والموضوعة والتاريخ بين العامية والفصيحة بشكل لا يقبل التأويل أحيانا. ولا غرو أن مثل هذا الوضع عندنا يعكس - في الغالب أحوالا مماثلة في كثير من البلاد العربية الأخرى، الا أن صورته هنا- على ما يلوح- تبدو أكثر دلالة ووضوحا. إن هناك كثيرا من العوامل المختلفة في نشوء هذه الظواهر اللغوية المضطربة في العالم العربي الا أن من ابرزها -كما قدمنا- ما يتصل بانعدام وجود رقابة عليا على الاستعمال اللغوي في مختلف مناحيه بالبلاد العربية حيث تعتمد المصطلحات في توفر أسبابها على كثير من المصادر المعزولة أو الفردية وحيث لا يخضع كل ذلك في الغالب الاعم لمقاييس مشتركة معينة ومعطيات مسلمة وعامة. وكان من الطبيعي أن تغدو هذه الحالة أساسا لنشوء كثير من المحاذير يوجد من بينها:

1 - تضاؤل نسبي في الامكانيات التفاهمية اللغوية بين بعض وحدات المجموعة العربية الحديثة.

2 - تضخم القاموس العربي تضخما تكراريا لا ينتج عنه الا ما ينتج عن التضخم المالي من أسواء ومعاثر.

3 - بقاء مشكلة القصور في التعببير العلمي العربي وزيادتها.

4 - تركز مظهر عدم التحديد في بعض أنواع الاداة اللفظية العربية. ان بعض مظاهر التضخم اللغوي بهذا الأسلوب قد توجد كذلك في لغات أخرى غير العربية، الا أن هذه الظاهرة بالنسبة للساننا العربي تكتسي صفة أكثر حدة وأبرز أشكالا، ويبدو أن من أسباب ذلك:

1 - الأوضاع الإجتماعية التي صاحبت نشوء العربية وتطورها: الموروث التقليدي للعربية من هذا الرصيد الضخم الذي تتوفر عليه من المكررات.

استمرار عوامل هذا التكرار نتيجة لتنائي المسافات بين الأقطار العربية. والواقع أن بعض الاختلاف بين الناطقين باللغة الواحدة لا يختص بالعربية دون سواها (انجلترا والولايات المتحدة- اسبانيا ودول أمريكا اللاتينية- البرتغال والبرازيل) ولكني لا أقدر -مع ذلك أن تعدد مصادر التشريع اللغوي توجد بهذه السعة والكثرة مثل ما يوجد عليه الأمر بالقياس للعربية، فللواحق في اللغات الغربية ( BI-RRI) في الفرنسية و م Bown-U في الإنجليزية مثلا تترجم عندنا تارة على أساس حرف «ب» وتارة أخرى على أساس معنوي مثل «ثاني» في «بيكاربونا» أو «نصف» في BIMESUEL كما ان التركيب المزجي للالفاظ اليونانية واللاتينية- ذلك الذي يتم على اساسه بناء الكثير من المصطلحات في اللغات الغربية الحديثة - يثير عندنا كثيرا من مظاهر البلبلة والاضطراب، فإلى جانب من يعنى بوضع المصطلحات على اساس اعتبار خصائص اللغة العربية التي لا تقبل هذه الأساليب من التركيب اللفظي عند الغربيين يوجد ثمة آخرون ممن يسايرون هذه الطرق الأجنبية في التوليد اللغوي فيختزلون من الكلمات العربية بعض أحرفها الختامية ثم يؤلفون من كل ذلك مصطلحات جديدة تماثل في تركيبها المزجي ومدلولها المزدوج تلك التي تتوافر على نطاق واسع في مختلف الألسنة الغربية الانجليزية والفرنسية والاسبانية وغيرها، ومن أمثلة ذلك: «بيكوبي» ترجمة للفظ الفرنسي Inperplanpoire ( بين الكواكب) و «كسرطيسي» (كهربائي- مغناطيسي) و «اوراسي» (نسب إلى آسيا وأوربا)، بل أن هناك من بين الباحثين العرب من انبرى لتقديم مقترحات جزئية في الموضوع تقتضي التعبير طبقا لهذا الأسلوب عن المعاني: «بعد النظر» و «التصوير عن بعد» و «دقة النظر أي صغره» و «التصوير الدقيق» بالكلمات «بعنظ» «بعصر» «دقنظ» «قصر» ..

وعلى هذا النحو تتكاثر الأوضاع اللغوي الشخصية وتتعدد صورها بتعدد اذواق الكتاب والباحثين وتنوع مشاربهم ودرجات حظوظهم من التوفق أو الاسفاف، وقد تضخمت بالفعل نسبة هذه النماذج من المستحدثات الشخصية ولم يكن من المعقول الا أن تزداد تضخما وذلك باعتبار ما يعترض

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٠٠