تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد صدق «نولدكه» فيما قال، فقد وسعت العرببية كل ما ترجم إليها في العصر العباسي من فلسفة ومنطق وطب وكمياء وغير ذلك، وشايعت بأوضاعها وابنيتها وصيغتها كل ما يجد من مستحدثات الحياة، وبهذا صارت صاحبة السيادة العلمية والفلسفية والأدبية والدينية في ذلك العصر، وأصبحت لغة الكتابة والخطابة والتأليف والتعليم، وأضحى من السهل جدا أن نترجم إليها في العصر الحاضرأي كتاب علمي أو فلسفي أو أدبي، إذا كنا على علم دقيق بأصول العربية، واقفين على أسرارها متأدبين بآداب اللغة الي ننقل عنها.

وقد نزداد اعتزازا بلغتنا، وتعلقا بها حين نرى المستشرق الفرنسي (ارنست رينان) أعدى أعدائها يعترف في صراحة مفاجئة بأن «العلوم والآداب والحضارة مدينة بازدهارها وانتشارها للعرب وحدهم طوال ستة قرون» ثم لا يكتم شعوره واعجابه بما وصلت إليه من كمال، وما امتازت به من ثروة لفظية، وتراكيب منطقية بحيث فاقت في ذلك أخواتها الساميات، بالرغم من نشأتها وسط الخيام، وفي كنف الصحراء، فيقول: «ان مما يثير عجبي أن لغة كاللغة العربية قد نشأت في بلاد صحراوية -كبلاد لعرب- تصل الى درجة الكمال في خيام البدو».

ولم يختلف حال اللغة العربية بعد الإسلام عنها قبله، فقد ظلت بعده ينبوعا فياضا، وموردا عذبا، غنيا بروافده، فانتشار الدين الإسلامي في القرنين السابع والثامن الميلاديين قد اكسبها حياة جديدة، وأظهر جمالها في كل بلد أشرقت فيه شمس الإسلام، ونزول القرآن الكريم بها كان له أكبر الأثر في الحفاظ على قواعدها ومعاجمها وآدابها وتاريخها، وبخاصة خلال القرون الوسطى، فمن الناحية الأدبية، افاض عليها القرآن جمالا فنيا، وبيانا سهلا مؤثرا، ومن الناحية العلمية أحدث فيها علوما لسانية وبيانية وتشريعية.

ولقد سجلت الدراسات اللغوية التفوق والغلبة للغة العربية في كل مكان وصلت إليه، وكشفت عن الدور الذي لعبته حين احتكت بغيرها من اللغات، وامتزجت بسواها من الثقافات الأجنبية عنها، فحين فتح العرب بلاد الفرس بين (640 - 651م) اعتنق الشعب الفارسي الدين الإسلامي، وحلت اللغة العربية محل اللغة الفارسية، وصارت لغة الدولة الرسمية، ولغة العلم والأدب، ولا أستطيع أن أمر بهذا الحدث دون أن أشير إلى ما كان له من نتائج جوهرية كفانا المستشرق الألماني «نولدكه» مئونة التعبير عنها حيث قال: «إن اللغة اليونانية لم تؤثر في الحياة الفارسية الا تأثيرا سطحيا، ولكن العربية قد اثرت فيها كل التأثير، فتدينت ايران بالدين العربي، والأخلاق والعادات العربية».

فكل أمة استظلت براية الإسلام قد غمر طوفان العربية لغتها، فكتبت بالكلمات العربية والعبارات الاصطلاحية في المؤلفات الدينية والعلمية، وإليك ما قاله «بروني» أحد المستشرقين الانجليز: «إن من الصعب أن نكتب لغة فارسية خالية من اللغة العربية، كما أن من الصعب أن نكتب لغة انجليزية خالية من اللغة الإغريقية او اللاتينية، ومن الممكن فعل ذلك في حدود معينة، ولكن النتيجة هي: ان من الصعب فهم ما يكتب من غير التجاء إلى المعجم العربي، وحينما اكتب هذا أمامي صحيفة فارسية مادتها سهلة، وأفكارها واضحة، ومع ذلك فإن الكتاب أنفسهم قد شعروا بأنهم مضطرون لكتابة هامش لما يكتبون، شارحين معاني اثنتى عشرة كلمة على الأقل من مائة كلمة بما يرادفها من الكلمات العربية، حتى يستطيع القارئ العادي أن يفهمها ... ».

والمتتبع لتاريخ اللغة العربية في علاقتها بالدول والشعوب الأخرى بعد ظهور الإسلام يلمس تأثيرا كبيرا، فقد اتخذت الفارسية الحروف الأبجدية حروفا لها، واستعارت كثيرا من كلماتها وجملها، والاثر العربي واضح جدا في اللغة الفارسية وآدابها، وقد لا حظ المستشرق الفرنسي «رينان» ان كل الكلمات عربية في بعض الكتب الفارسية، ولو أن القواعد غير عربية، وثلاثة أرباع الكلمات في اللغة الهندوستانية مأخوذة عن العربية، واللغة التركية مدينة في كثير من كلماتها للعربية، وكانت تستخدم الحروف الأبجدية قبل عهد (مصطفى كمال) وقد تأثرت لغة شبه جزيرة الملايو باللغة العربية أيضا عندما فتحها المسلمون، واستخدمت حروفها الأبجدية، كما كان تأثيرها ملموسا جدا في افريقية، ولا سيما الجزء الشمالي منها.

وقد امتد تأثير العربية الى أوروبا نفسها، اللغتين الاسبانية والبرتغالية عدد كبير من الالفاظ والمصطلحات العربية، بل ان اللغتين الانجليزية والفرنسية مدينتان للغة العربية بكثير من الكلمات العلمية التي دخلتها ابان الحروب الصليبية وقبلها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٩٣