تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللغة العربية قد مرت بكل هذه الأطوار، فقد استخدمها عرب البادية في وصف حياتهم، والتعبير عن احساساتهم في صحرائهم، وبين ابلهم وآرامهم، ثم صارت في عصور الحضارة الإسلامية لغة العلماء والأدباء والفلاسفة، يؤدون بها سائر المعاني العلمية والأدبية والفلسفية، ويترجمون إليها مختلف الثقافات الإنسانية. ثم كتب عليها الخمول، فبقيت مئات السنين بعيدة عن كل إنتاج علمي وأدبي وفلسفي. واليوم نراها تبعث من مرقدها في ثوب جديد، وتجتاز مرحلة من مراحل تطورها، فتجد نفسها في عالم جديد موحش متطور، حافل بالمخترعات والصناعات والآلات لذا كان لزاما عليها أن تتطور في ألفاظها وعباراتها ومدلولاتها بما بتفق والحياة الجديدة، وأن تحيل كل ما يداخلها من ألفاظ اللغات الأخرى إلى أوضاعها الخاصة بها، وأن تخترع عبارات تستمدها من الحياة التي تعيشها، والمخترعات التي تستخدمها، لأن اللغة التي لا توائم بين نفسها وما يحيط بها مصيرها الزوال لا محالة، كالأمة التي تنطوي على نفسها، وتقيم بينها وبين المدينة حجابا، فلا تلبث أن تتخلف وتبيد.

والطريقة المثلى لذلك هي أن يكلف المختصون -فرادى ومجتمعين- وضع المؤلفات العلمية في مختلف العلوم والفنون، حتى تتألف لنا ثروة من الأدب العلمي، يصح أن يعتمد عليه علماء اللغة في استخلاص المصطلحات والعبارات العلمية في لغتنا الحديثة، وتحديد معانيها بمعاونة العلماء المختصين في ذلك، وليس من الخير كما يقول المرحوم الدكتور على مشرفة «أن يتعجل علماء اللغة وضع المصطلحات العلمية قبل ورودها في المؤلفات العلمية، وشيوع استعمالها، لأن ذلك يكون من باب التسرع، وقلب النظام الطبيعي لتطور اللغة، وهو في الغالب مجهود أكثره ضائع، اذ لا يمكن التنبؤ بما إذا كان مصطلح من المصطلحات سيبقى، ويدخل في صلب اللغة، وهو في الغالب مجهود اكثره ضائع، اذ لا يمكن التنبوء بما اذا كطان مصطلح من المصطلحات سيبقى، ويدخل في صلب اللغة، أو سيموت ويحل غيره محله».

ولنثق تمام الثقة أن لغة الضاد لن تقف عاجزة أمام وصف آلة، أو ايجاد اسم لمخترع ما، لأن اللغة التي وسعت كتاب الله الكريم، والتي يستمتع المسمى الواحد فيها بمئات الأسماء لا يتصور عجزها. على أن هذا العدد الضخم من الأسماء للمسمى الواحد قد راع كبار المستشرقين، فعبروا عنه في أكثر من مجال، فالعلامة (ارنست رينان) يقول «ان لغويا من العرب كتب في متن اللغة رسالة ذكر فيها خمسمائة اسم للأسد» ونحن نعرف أن للسيف في العربية أكثر من ألف مرادف، وللثعبان مائتين، وللجمل ألفا، وللداهية أربعة آلاف، كما نعلم أن الفيروز بادي كتب رسالة عن العسل، وتركها من غير تكملة، بعد أن ذكر ثمانين مرادفا لتلك الكلمة، إلى غير ذلك مما يشهد أن اللغة العربية ثروة دونها كل ثروة، وان المعنى الواحد يمكن التعبير عنه فيها بكثير من الأساليب.

فاللغة العربية تنعم بثروة لغوية ضخمة، فلما توافرت للغة ما، وحسبك أن في المهجور من ألفاظها سبعين ألف مادة لم تستعمل الى اليوم، وما وضعه المرحوم الشيخ أحمد الاسكندري من أسماء الجواهر والفلزات في المؤتمر الطبي ببغداد خير شاهد على ما تشتمل عليه من كنوز ثمينة في المفردات، كما أن معجم (الحيوانات والنبات) للدكتورين المصريين محمد شريف، واحمد عيسى قد كشف عن ألفاظ عربية لنباتات وحيوانات كنا نستعمل عند الدلالة عليها اسماء لاتينية، ظنا أن لغتنا خالية من اسمائها.

ولم يكن هذا الثراء اللغوي الذي سعدت به اللغة العربية خاصة بمفرداتها، بل تناول صيغ قواعدها والمتأمل في صيغ جموع التكسير، والمصادر، واسماء المصادر، يدرك أن في اللغة العربية ثروة لا تحد، وأنها انما خلقت لتمد الزمن بحاجاته.

والموازنة بين العربية واية لغة أخرى من اللغات السامية -شمالية أوجنوبية- ترينا أن العربية أغنى تلك اللغات وأنها لا تقل ثروة عن اللغات اللاتينية والاغريقية قديما، كما لا تقل عن الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية حديثا، ولا نكون مبالغين إذا قلنا أنها أغنى اللغات الحية بمفرداتها، وكثرة أبنيتها، واسباب نموها، فحق لأحد علمائها اذن أن يقول في فخر وزهو (ان لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها الفاظا، ولا يحيط به إنسان غير نبي).

ولم يخف ما امتازت به العربية من طواعية ومرونة وصلاحية لبحث الأمور المعنوية، ووفاء بمطالب المدنية الحديثة على المستشرق الألماني «نولدكه» ولهذا رأيناه يتعصب لها، وينتقص جاحدي فضلها فيقول «أن من الخطأ الشائع أن نظن أن اللغة العربية فقيرة لا تصلح لبحث الأمور المعنوية، فعلى العكس يندر أن نجد لغة أخرى كاللغة العربية تصلح لأن تكون وسيلة للتعبير عن الفلسفة القديمة، وأصول حكمة الأولين».

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٩٢