تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبرغم كل هذا التأثير فان ما وصل الينا من لغتنا العربية ليس الا قليل من كثير، وغيضا من فيض، لأنها -بجميع أوضاعها اللغوية- لم تصل الينا، فقد عجز الرواة عن رواية كل ما انشاه العرب من شعر ونثر، وقد أشار الى ذلك أبو عمرو بن العلاء بقوله: «ما انتهى اليكم مما قالت العرب الا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير». وقريب منه جدا قول ابن فارس «ان لغة العرب لم تنته الينا بكليتها، وان الذي جاءنا عن العرب قليل من كثير، وان كثيرا من الكلام ذهب بذهاب أهله، ولو جاءنا جميع ما قالوه لجاء شعر كثير وكلام كثير». ومع ذلك فقد كان هذا القليل الذي روى ثروة أدبية ضخمة، ويؤيد ذلك ما حكى عن الصاحب بن عباد من أن بعض الملوك قد بعث اليه برسالة يسأله القدوم عليه، فقال في الجواب: «أحتاج الى ستين جملا انقل عليها كتب اللغة التي عندي» وقد ذهبت هذه الكتب جميعها في الفتن التي نشأت من التتار وغيرهم، حتى أن الكتب الحية الآن من تأليف المتقدمين والمتأخرين لا تكفي حمل جمل واحد.

ولم يقف أثر اللغة العربية عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى الناحية الأدبية، فلقد استفاد الغرب والأدب الغربي من الشرق، والأدب العربي كثيرا خلال القرون الوسطى، وكان لحضارة الشرقية والمدنية العربية اثر كبير في النهضة الأدبية في عصر النهضة الأوربية، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن القصص الشرقية من عربية وفارسية وهندية كان لها أكبر الاثر في القصص الغربية، فلولا «ألف ليلة وليلة» ما كان هناك «روبنون كروزو» وقد صرح بذلك «فيكتور هوجو» في مقدمة قصائده «الشرقيات» حيث قال: «كان العالم كله في عصر لويس الرابع عشر مقبلا على الدراسات الاغريقية، أما الآن فقد أقبل على الدراسات الاغريقية، أما الآن فقد أقبل على الدراسات الشرقية، لما فيها من فن وخيال وآراء وأفكار» واعترف «وارتون» «بأن الحركة الرومانتيكية في العصور الوسطى -بلا شك- نتاج عربي خالص».

لهذا التأثير العظيم وتلك المكانة السامية التي احتلتها العربية اللغات الأخرى كان لزاما على الادباء والمفكرين من ابنائها في عصرنا الحاضر أن يحوطوها بعنايتهم، وأن يهيئوا لها أسباب الحياة والنمو، لأن مصيرها ومستقبلها متوقف عليهم، ففي يدهم قتلها وفي يدهم احياؤها. أما قتلها فيكون بالجمود بها عن تطورها الطبيعي، كما يكون بعدم التعاون بين أهلها على توحيدها والمحافظة عليها. وأما احياؤها فيكون بالغيرة عليها، والتبصر في مصيرها، وحسن الرعاية لها، والسير بها في السبيل الطبيعي لرقيها كلغة حية واحدة.

وقصارى القول وغايته اننا رأينا لغتنا العربية وقد اجتمع لها من اسباب الثراء والنماء حفظ عليها شبابها، وأمدها بثروة أدبية ولغوية جعلتها أقراللغات على تلبية حاجات المجتمع، كما وقفنا على كثير مما قاله الاجانب والمستشرقون عن هذه اللغة. فمن العبث اذن، بل من الحيف أن نفتن بغيرها ونعدل عنها الى سواها، وقد وسعت كتاب الله لفظا وغاية، وأدت المعنى الواحد بمئين من الألفاظ، فأين -أيها الأخ العربي- لسائر الامم ما للعرب، وأين لسائر اللغات في السعة ما للغتنا المظلومة المهضومة؟

اتعس امرأة ...

اتعس امرأة في الدنيا، تلك التي تبحث عن طفل ولا تجده.

حكيم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٩٤