دعوة الحق، س3 - ع8 مايو 1960 .................. ص39
لغتنا المهضومة المظلومة
للأستاذ: محمد محمود مقلد
ليس بجميل أن نتشاءم مع المتشائمين، أو نجمد مع الجامدين، فنتهم لغتنا بالجمود والتخلف، والعجز والضيق، لأن لها من ماضيها وتاريخها ما يشهد بهضمها لمختلف الثقافات، وأدائها لكثير من مطالب الحياة. وليس بمحمود أن نقف منها هذا الموقف -ونحن حماتها وسدنتها- فنقعد بها عن النهوض، مسايرة الحياة المتطورة، ولوعا منا بكل ما هو أجنبي، ورميا لها بالجمود والقصور، وانها لا تصلح لعصر عج بالمخترعات، وامتلا بالعلوم والفنون.
وإذا كان الكثيرون من أعداء اللغة العربية والأجانب عنها قد شهدوا بفضلها واعترفوا بجليل أثرها فما بالنا نزري بها، ونرميها بالضيق تارة، والعقم أخرى، غافلين عما كان لها من سابق عز، وناسين أنها لم تكن في يوم ما قاصرة أومقصرة، جامدة أو متخلفة، انما العيب عيبنا، لأننا فتنا بكل ما هو أجنبي فأكبرناه، وفقدنا كل ثقة في لغتنا فأهملناها، فحق للمرحوم حافظ ابراهيم أن يأسى لاساها، وأن ينعى علينا موقفنا منها.
وان نظرة واحدة الى معاجم اللغة العربية وموسوعاتها كفيلة بأن تقفنا على ما تتمتع به لغتنا من سعة وغنى في الألفاظ والتراكيب والمترادفات مع أنه لم يدون منها إلا ما كثر تداوله، ولم يستعمل من موادها إلا عشرة آلاف مادة بينما تتألف من ثمانين ألف مادة.
لذا وجب الشكر لأصحاب هذه المعاجم والموسوعات، لما قاموا به من جهد عظيم يشهد بأن المعجم العربي سيبقى على الدوام مرجعا هاما، لتوضيح كل غامض اذا راعى الباحث الدقة والاحتراس، وسيظل موردا صفوا يتزاحم عليه رواد الآداب والفنون في عصرنا الزاهي بألوان الحضارة المستحدثة، وأفانين الابتكار المتجدد، حيث تشتد الحاجة إلى أسماء لمسمياتها، ودلائل لمدلولاتها.
فغلتنا الضادية أغزر اللغات ثروة، وأوسعها مدى، وأكثرها أوضاعا، وهي بثروتها في المفردات وضروب الاشتقاق والمجاز والوضع، وبمرونتها بالنحت والقلب والابدال تصلح للأغراض العلمية والأدبية، وتفي بمستحدثات الحضارة، ومبتكرات العلم، فمن السهل أن نكتب بها ما نشاء، وأن نترجم إليها ما يزيد وأن نعرب كثيرا من المصطلحات الأجنبية، فنساعد بذلك رجال الطب والهندسة والصيدلية والعلوم الكيماوية والحيوانية والنباتية على أداء مهمتهم بألفاظ وعبارات مختصرة واضحة، ومصطلحات جديدة تفي بالمطلوب.
وليس هذا ادعاء أو تعصبا للغة العربية، فقد استطاعت في فترة ما أن تنقل إليها حضارات الشرق الأدنى عن طريق الترجمة والتوليد والتعريب، وإحياء المفردات القديمة، واسباغ المعاني الجديدة عليها، كما ورثت في العصور الوسطى حضارات الأمم القديمة من يونان ورومان وفرس وغير ذلك، وتمثلت كل ذلك وطبعته بطابعها، وزادته ونمته، فصار أصيلا بعد أن كان دخيلا، وصميما بعد أن كان ضعيفا غريبا، وقامت بأعباء الملك الواسع والسلطان العريض، وما يقتضيه من آداب وعلوم وفنون، فأضافت بذلك إلى سلسلة الحضارة الانسانية حلقة لامعة ممتازة، كما زادت في صرح المدينة العالمية طابقا شامخا باذخا.
وإذا كنا قد لا حظنا في تاريخ اللغة العربية أنها لا تقوم ببعض حاجات المخترعين فليس ذلك عن عيب فيها، انما العيب واقع على أبنائها الذين أهملوها، ولم يفتشوا عن ثرواتها الضخمة في كل علم أو فن، مع ملاحظة أن تقدم العلم والفن والفلسفة في القرنينا الأخيرين كان سريعا، وفي القرنين الأخيرين كان العالم العربي مرزوءا بالاستعمار، ثم أفاق أبناؤه من غفوتهم فألقوا لغتهم قارة عن التعبير عن هذه الحياة، قد وقف نموها، وصوح زاهر مجدها، وهكذا سبيل الكائن الحي، وسنة الله في خلقه: قوة، ثم ضعف، ثم بعث.