تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حملتهم على تصنيف مؤلفات عديدة في موضوعات مختلفة من طب وطبيعيات وكيمياء وفلك ورياضيات وفلسفة، وهذه المؤلفات أو المداخل وفقا للتسمية الوضعية التي أطلقها عليها اصحابها نشرت الشعاعة الأولى للدراسات العقلية في العالم الإسلامي، وهي عبارة عن ملخصات تعطي القارئ فكرة مجملة عن العلوم المعروفة آنذاك، ويكون اكثرها عملا يساعد على تعميم العلم ونشره عقبته دراسات التخصص والأبحاث العميقة التي سيقوم بها المسلمون أنفسهم في مدارسهم المختلفة.

ويجب ألا ننسى ان سماحة الإسلام والمسلمين كانت المعين الأول على تفتح وانبثاق هذه العقلية الجديدة، ولم نقرأ في التاريخ أن الخلفاء والمسلمين كانوا يضطهدون هؤلاء النقلة والمترجمين بل تركوا لهم كل الحرية في نشر فلسفات وعلوم قد توصف من أكثر جوانبها بمعارضتها للعقيدة السمحاء معارضة جذرية ومع ذلك كان الأدباء وفلاسفة العرب يصرحون ببعضها دون أن يلحقهم الأذى، ولكن تميزت فرقة المذهب الحنبلي بمعارضتها الشديدة لهذه الأفكار اليونانية الغريبة فكانوا ينظرون إلى هذه العلوم الدخيلة نظرة ريب وتخوف ولا سيما منها المنطق الصوري الارسططاليسي وقد قالوا في حقه: "من تمنطق تزندق" ونجد الفيلسوف العربي الغزالي يؤلف البحوث العديدة في علم المنطق دون أن يعطي لها اسم علم المنطق بل سماها بـ "محك النظر" و "معيار العلم" أو "القسطاس المستقيم".

انتهت هذه المرحلة الأولى من الترجمة والنقل وكما يرى المحققون فقد كانت فترة طبيعية ولا يجوز عقلا رمي العرب بالعقم العقلي في هذا الطور الذي يسبق دوما طور الخلق والإبداع، كان العرب يترجمون ويطلعون على الفكر اليوناني الذي هو في الحقيقة عصارة الفلسفات والعلوم الشرقية مضافا إليها اصالة حكماء اليونان، كان العرب يهضمون ما يقرأون ويتعمقون كل ما كتبه غيرهم، وما كادت هذه المرحلة تنتهي حتى برزت الى الوجود الشخصية العربية الناضجة، ومن المؤسف ان نقادا لامعين كرينان رموا العقلية العربية بالتقليد وابعدوا عنها صفة الابتكار ولنا أن نسألهم: اين هي الحضارة التي ابدعت ولم تنقل وأين هي الحضارة التي خرج كل علمائها من أصل واحد، حيث أن بعض النقاد يرون انه وان كان ولابد أن للعرب فلاسفة وحكماء أصحاب أفكار أصيلة فهم من أصل غير عربي. اننا نعرف اليوم مثلا أن الفلسفة والعلوم اليونانية أغلبها مأخوذ من فلسفة وحكمة الهند والصين وفارس وفلسطين وان أكثر علماء اليونان من أصل شرقي كذلك. وما قيل عن حضارة اليونان يقال عن كل الحضارات القديمة والجديدة، فمنذ عهد قريب فقط كان الرأي شائعا بأن حضارة مصر هي أم الحضارات وسار هذا الظن سشير النظريات العلمية لكن ما كادت حفريات حضارة ما بين النهرين تظهر للوجود حتى وجد العلماء أن الكثير من الحضارة المصرية مجلوب من العراق. وهذا بطبيعة الحال لا ينقص ولا يحط من قيمة الحضارة المصرية وانما نقول مستندين إلى أمثلة تاريخية عديدة ان حضارة أي أمة تعتمد أولا على ما سبقها من الحضارات ثم تضيف إليها فيما بعد لبناتها الذاتية، وكذلك الأمر في الحضارة العربية فقد احتكت بحضارة اليونان، وما كادت تشعر بوجودها حتى انطلقت متحررة نحوالبناء الاصيل.

وسوف اتبع هذا البحث بقسم ثالث حول العلوم عند العرب من طب وكيمياء وطبيعيات وفلك ورياضيات لاظهار مشاركة العرب الحقيقية وما يرجع إليهم دون غيرهم من نظريات صادقة وابتكارات خالدة.

(تتمة البحث في العدد القادم)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٩٠