الرئيسي للعلماء الاطباء الذين انشأوا مدرسة الطب ببغداد.
وقرب الرها نهضت مدرسة خامسة هي مدرسة "حران" التي أسهمت بقسط واسع في الحركة الفكرية والعلمية عند العرب، هذه المدارس الخمس هي المصادر الأولى والأخيرة التي احتوت على كتب فلاسفة اليونان وعلمائها والتي شاهدت أوليات النقل والترجمة واللغات الفارسية واليونانية والسريانية الى العربية.
فتح العرب سوريا سنة 638 ميلادية واستقر الامويون في دكشق ولم يتعرضوا للنساطرة بل تركوهم يتابعون نشاطهم الفلسفي العقائدي ... وكذلك الأمر ابان الدولة العباسية حيث نجد اللغة السريانية محترمة الجانب حتى ان الطبيب حنين بن اسحاق ظل يؤلف باللغة السريانية، ولكن في عهد هارون الرشيد والمأمون بل وحتى في عهد المنصور من قبل نجد أن حركة الترجمة بدأت تأخذ مجراها من اللغات السابقة الى العربية وبلغت هذه الترجمات ذروتها في القرن الثالث والرابع الهجري، وقد خصص الخليفة المأمون قسما كبيرا من مدرسة "دار الحكمة" الشهيرة للترجمة فحسب وكان يشرف عليها وعلى المترجمين الطبيب النصراني يوحنا بن ما سويه، كان عمل هذه المدرسة جبارا حقا اذ أنها لم تكتف بترجمة ما لديها من كتب بل كانت ترسل إلى أنحاء العالم الإسلامي من يتعقب المخطوطات ويبحث عنها لنقلها من بعد ذلك الى العربية، وقد لمع في مدرسة دار الحكمة اسم المترجم الكبير حنين بن اسحاق وابنه اسحاق.
ذكرت في أول هذا البحث ان الفلسفة النصرانية امتزجت بالفلسفة الارسططاليسية واختلطت بها وكادت الاصول اليونانية تضيع لتداخلها مع تعاليق وشروح النساطرة ورجال الكنيسة البيزنطية، وفضل العرب على الحضارة الهيلينية كان عظيما اذ هم أول من غربلوا بين مختلف المخطوطات اللتي كانت تقع بين ايديهم باظهار الدخيل عليها واعادوا هذه النصوص مصفاة مما الحق بها زورا، ويكفي العرب أنهم قاموا بهذا العمل الهائل ليخلد اسمهم في التاريخ كما يعترف بذلك جل المستشرقين النزهاء، ومع ذلك لا يمكن لنا أن نقول أن هذه الترجمات العربية هي طبقا لأصل لأصولها اليونانية فالعرب لم يترجموا أولا هذه المخطوطات اليونانية مباشرة بل نقلوها عن طريق التجمات الأخرى السريانية والفهلوية والعبرية، ومهما بلغت عبقرية العرب العقلية فلا قبل لهم أن يصحوا كل الأغلاط ولهذا نجد الكثير من فلاسفة المسلمين ينسب كتابا إلى غير صاحبه أو يفهم نصا يونانيا فهما معوجا لامتزاج هذه النصوص كما قلت بالفلسفة الافلاطونية الحديثة الاسكندرية اولا ثم لاختلاطها بالفلسفة الصوفية المسيحية، ونحن نعرف اليوم أن عبارات أرسطو نفسها كثيرا ما كانت تستعصي على فهم اليونانيين أنفسهم اليوم، رغم كل هذا استطاع العرب أن يحافظوا على جوهر العقلية اليونانية وانتقلت التراجم العربية إلى أوربا التي لم تتعرف على الفكر اليوناني الا من خلال هذه التراجم العربية نفسها.
ان عمل العرب في هذا المجال يدل على فضيلتين أساسيتين: فضيلة عقلية تعكس مقدرة العرب على تفهم هذه الفلسفة الهيلينية الغربية على الذهن العربي المسلم والارتفاع الى مستواها التصوري حتى استطاعوا بعد ذلك أن يصصحوا الكثير منها فلم يكونوا سلبيين التقاطيين كما يظن البعض، والفضيلة الثانية أخلاقية هي مثال النزواهة العلمية والنموذج الحي لنحريهم الحقيقة كيفما كان لونها فلم يحرفوا كما حرف غيرهم ولم ينسبوا الى أنفسهم ما ليس لهم ولم يدلسوا فعرضوا هذه الأصول اليونانية كما هي والتي كثيرا ما كنت تتعارض مع طبيعتهم ومعتقدهم ورغم ذلك كان روح البحث العلمي المجرد هدفهم الأسمى.
كان لهذه الترجمات العربية اثر كبير على النهضة الأوربية وعلى العرب أنفسهم فقد بدأ العربي البسيط التفكير قبلا يتفلسف وينظر إلى الأمور نظرة العقل والمنطق بعد أن كانت العواطف والعادات المسلمة بها تأخذ الجانب الأكبر من حياته، وجدت هذه الأفكار الجديدة استحسان العرب الذين سرعان ما نقلوها الى مجال الدين والأدب (البلاغة والنقد والشعر) وعلوم اللسان، أصبح منطق ارسطو هو المقياس القويم بعد التنزيل الحكيم حتى أدت هذه النظرة الجديدة إلى زندقة وإلحاد بعضهم، ولا يعاب على العرب هذا التأثير الجديد لأنه دليل على سرعة الفهم وإدراك معضلات الفلسفة العقلية الصوفية التي تسبح في التجديد والتصور الذهني البحث ولا بد من هذه المرحلة في الإدراك دون الخلق في كل حادث حضاري جديد، وفي هذا المعنى يقول الدكتور ابراهيم مدكور:"وقد أدى هؤلاء النقلة (للفكر العربي) إلى جانب عملهم الرئيسي (كنقلة) خدمة جليلة، فرغبتهم في نشر المعرفة