تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س3 - ع8 مايو 1960 .................. ص36

عبقرية العرب في العلوم والآداب والفنون منذ عصر ما قبل الإسلام حتى عصر النهضة

للأستاذ جمال الدين البغدادي

-2 -

ان الحديث عن الحركة العلمية في العصر العباسي هو محور هذا البحث لأهميتها التاريخية والعلمية، ولكن الباحث سوف يظل يتسائل عن مرحلة النقل والترجمة التي كانت الاعداد الطبيعي لهذه الطفرة العربية في ميادين الفكر والأدب، ومعنى هذا إظهار التغيرات التي لحقت التراث الهيليني منذ خروجه من الوطن الأم الى أن وصل الى يد العرب ثم اجلاء النصيب العربي الحقيقي من هذه الحركة في الترجمة والتعليق. واخشى الا استوفي هذه الدراسة الهامة في هذه الأسطر من مقال صحفي، غير انني سأشير الى الأفكار الأساسية التي قد تقال دون اخلال بالفكرة العامة.

من المعروف في التاريخ ان الاسكندر المقدوني حينما مات اضطهدت الحركة المقدونية في اليونان والحق الاذى بكل من شايع هذا المذهب وكان الفيلسوف ارسطو من أشهر من كانت له علاقة بالقائد اليوناني الفاتح الاسكندر الكبير، فاضطهد هو ومدرسته وأفكاره الفلسفية، ولم يجدوا مأمنا أمينا الا في مدينة الاسكندرية وفيها استطاعت الأفكار الارسططاليسية أن تستمر متخذة لونا جديدا هو اللون الافلاطوني الحديث، وحينما فتح العرب مصر اطلعوا على هذه المدرسة ولكن اتقانهم للغة اليونانية في ذلك الحين لم يكن قويا مما جعل العرب لا يتأثرون كثيرا بتلك الثقافة الهيلينية، ولكن الفلسفة الافلاطونية هذه لم تقبع في الاسطندرية بل شاعت في مختلف البلاد الشرقية من سوريا حتى الهند، فتمركزت أولا في سوريا وتأسست المدرسة الانطاكية وبعدها بقليل (سنة320) انشئت مدرسة نصيبين السريانية ومدرسة الرها وتعتبران من أهم المراكز الثقافية اليونانية السريانية قبل الفتوحات العربية، وفي هاتين المدرستين كان كل الاعتناء موجها لفلسفة ارسطو وللفلسفة الافلاطونية الاسكندرية، ولعل هذا هو التعليل الشافي لاقتصار حركة النقل العربية على هذه الفلسفة اليونانية التي سبقت اريسطو، فترجمت كل كتبه تقريبا من اليونانية الى السريانية اولا. ومن سوريا انتقلت تعاليم مدرسة نصيبين والرها الى فارس ثم أقصى الشرق خارج الامبراطورية البيزنطية وظل النساطرة العامل الأول لهذا الانتقال، بل يرى المحققون انهم أول من عربوا الحضارة اليونانية من أصولها السريانية الى العربية أثناء الفتوحات الإسلامية الكبرى، ويلاحظ هنا أن النساطرة لم يكونوا أمناء تماما في هذه الترجمة والسبب في ذلك أن النزاع الديني في ذلك الحين أبان الإمبراطورية البيزنطية كان نشيطا بين النساطرة حول حقيقة المسيح هل هو جسم بشري أو من أصل الهي أو أن نصفه كان الهيا ونصفه الآخر كان بشريا، هذه الخلافات الدينية المسيحية اختلطت للاسف الشديد بالاصول اليونانية وتداخلت مع فلسفة ارسطو المترجمة الى العربية، وكذلك أدخلت الصوفية المسيحية الى صلب الفلسفة الهيلينية بل يرى بعضهم أن التراث اليوناني كاد يضيع في هذه الهرطقات المسيحية البيزنطية.

وهناك مدرسة رابعة شاركت في إحياء الفلسفة الهيلينية وكانت مصدرا رئيسيا في حركة النقل الى اللغة العربية، انها مدرسة جنديسابور أسسها كسرى أنو شروان وجمع فيها الكتب السريانية واليونانية والهندية وأمر بترجمتها الى اللغة الفارسية الفهلوية، اختصت هذه المدرسة بالبحوث الطبية وكانت المورد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٨٨