الجهود المبذولة لتنظيم بناء الجيش كان لها صداها ومظهرها الواضح في كل الميادين، ففي فتح سجلماسة والجوازات الاربعة التي قام بها يعقوب الى غزو المسيحيين في بلاد الاندلس وجه كل عنايته الى تكوين جيش مدرب بعزم فائق وبدرجة كبيرة في استخدامه.
في عهد السعديين
وجاء عصر السعديين، وفي أول عهدهم ظهر الجيش السعدي ضعيفا أمام القوة الاجنبية كقوة اسبانيا والبرتغال وتركيا، ولكنه كان لا يزال يأخذ شكل الجيش المنظم، وبدأ يقوى شيئا فشيئا الى أن صار عظيما أيام السلطانيين عبد المالك المعتصم وأخيه أحمد المنصور الذهبي، واذا التمسنا مظاهر التجديد في هذه الدولة نرى أنها كانت من حيث التنظيمات العسكرية بارزة وهذه التنظيماتكانت مقتبة من الاعاجم والاتراك وقد ندرك من هذا التجديد ان في العصور الساتلفة كانت التنظيمات العسكرية محافظة على نظامها القديم، ولما جاء هذا العصر اصيحت تلك التنظيمات لا محل لها من البقاء لان اكتشاف عالم جديد ووجود دول غربية يومئذ بمظهر مبنى على الاصوزل العلمية والاختيارات الفنية هي التي عجلت بتغيير النظام القديم.
ومن شواهد ذلك أن السلطان عبد الملك المعتصم جال وساح واخذ اصول الجندية الجديدة حيث رتب جيشه بترتيب الدول الاوربية، والقى نهائيا النظام القديم ولما جاء احمد المنصور الذهبي أعاد التنظيم العربي الى محله حيث الف ما بين سيرتي العرب والعجم.
في عهد دولة الاشراف العلويين
وعاد للمغرب مجده وعظمته ويرجع الفضل في ذلك الى مولاي إسماعيل الملك العظيم الذي وطد أركان الدولة، وأول عمل قام به في عهده هو تنظيم الجيش باستدعاء أول قبيلة له "مجفرة" العربية وهي بطن من ادابة كانت تسكن بلاد السوس، وقد اعتنى كثيرا بهذا الجيش حيث فرض التجنيد الإجباري وقصره على الجيش النظامي المخزني، وانتهى عدده إلى 000 150 ألف جندي، ولما توفي هذا الملك العظيم عمت الفوضى في جميع أنحاء المغرب وشاهد المغاربة من المصائب والأهوال ما تقشعر منه النفوس إذا أصبح جيش البواخرة يتصرف في أمور الدولة كيف يشاء حتى أنه قام بتولية وعزل أربعة عشر سلطانا تردد خلالها المولى عبد الله على العرش سبع مرات، وهذا كان ملكا قويا لم يرض ان يكون خاضعا للبواخرة ولا لغيرهم فكان بينه وبينهم صراع عنيف ادى في الآخر الى تغلبه عليهم واضعافهم، وجاء بعده الإمام المجتهد سيدي محمد بن عبدالله الذي استطاع بشدته وقوته ان يمسك زمام القبائل التي كانت على عهد الملك مولاي اسماعيل، أما في عهد مولاي اليزيد بن محمد، ومولاي سليمان بن محمد ومولاي عبدالرحمن بن هشام فقد أخذ المغرب يرجع إلى الوراء والى الجهل والتأخر، فلم يكن هؤلاء يهتمون بالجيش ونظام الدولة كما كان اجدادهم الأولون، ويظهر من هنا أن المغرب أخذ يفقد استقلاله التام.
وفي عهد السلطان مولاي الحسن عاد الى هذا الجيش شبابه ونشاطه وحيويته فقد اهتم اهتماما كبيرا بتنظيمه زيادة على ما كان في حياة أبيه، فكان يباشر عرضه وترتيبه بنفسه حتى اسطاع بفعالة المجيدة ان يحول المغرب من أمة مهملة الى اظهر دولة في شمال افريقيا.
وقبيل الحماية بقليل وفي عهد السلطان مولاي عبد العزيز اخذ الجيش في تضعضعه، وكان وزير الحربية آنذاك المنبهي وهو رجل ذو أهواء لم يستطع التغلب على الثورة التي قام بها (أبوحمارة الجيلالي) لأن يد الخيانة كانت تعمل في جيشه وعلى اثر ذلك قامت حركة معارضة للسلطان ادت الى تنازله عن العرش لأخيه مولاي عبد الحفيظ الذي كان فيما قبل خليفته على مدينة مراكش، ولما تولى الملك عرض عليه المغاربة شروطا كثيرة فقبلها كلها، ولكنه وجد نفسه غير قادر على تنفيذ مطالب المغاربة، ولم يستطع ان يعمل شيئا في هذه الظروف الحرجة، فكثرت عليه الاعتراضات من طرف زعماء المغرب ثم وقعت ثورة الجيش على رؤسائه بفاس وعمت الفوضى في جميع أنحاء المغرب حيث تحطم الجيش نهائيا ولم يبق له الا تلك الصفة التي تميز بها بحكم الوراثة واصبحت الدولة المغربية لا شأن لها به.