وماذا عساها تنتظر -مثل هذه البلاد- من هذا التزايد اللامتناهي في سكانها وهي تعيش في شظف وتتخبط في ظلمات الجهل وتئن من وطأة الفقر وشدة الحاجة.
فقد يكون اتجاهها نحو التصنيع مخرجا من ورطتها ومنقذا لكيانها لكن هيهات لها ان تتحول من نظامها الزراعي الى التصنيع لان ذلك يستلزم من المقومات ما تقف قاصرة دون بلوغه (مثل هذه البلاد)
فالتصنيع يتطلب رؤوس اموال ضخمة والبلاد في فقر مدقع حتى ان كان هناك من يتمتع بوفرة المال والثروة (وهم قلة) فان طريقة استغلالهم لثرواتهم لا تعود على المجتمع بالنفع لانهم لا يستتمرونها بل يدخرونها في الحلي والمجوهرات وربما اكتنزوها نقدا ..
أما جلب رؤؤس الاموال من الخارج فهي مشكلة ليست قاصرة على من نقترض منهم بل هي مشكلة أيضا، بالنسبة للدول المقترضة لان هذه الاخيرة تقف قلقة غير مطمئنة على مصير اموالها ازاء ما تتمسك به الدول المقترضة (التي تستلف) من حق في صيانة حقوقها وحريتها خشية المساس بكرامتها ... او الاخلال بتعهدات الغير لها وبذلك يضيق مجال الاقتراض من الخارج.
على رأس المال ليس هو كل شيء فالخبرة الفنية ولادارية والعلوم التطبيقية عناصر حيوية بالنسبة لاقامة نهضة صناعية وهي لا يمكن أن تتوافر بين عشية وضحاها بل هي عوامل تأتي نتيجة التطور البناء على مراحل محكمة الدراسة تسودها برامج التثقيف والتوجيه على نطاق شامل مؤيد بدعاية واسعة المدى حتى تقضي على الفتور والخمول والجهل وعلى كل خاصية من خصائص البلاد المتخلفة.
وبفروض توافر رأس المال والخبرة الفنية فان الحكومة العادلة في مثل هذه الدول تجد نفسها أمام واجب يحتم عليها التضحية باقامة تلك الصناعات التي تعتبر اساسا لنهضتها الصناعية لانها في الغالب لا تعطي نتائج الا بعد فترة من الزمان قد تصل الى سنين عدة، وتفضل توفير الحاجات الضرورية من غذاء وكساء ومسكن وهي حاجات اشد ما تكون مفترقة اليها تلك الجماهير البائسة.
وحتى في المجال الزراعي فان المشاكل بادية في مثل هذه الدول (المتخلفة) فيحدث تضخم السكان مع قلة الاراضي المستغلة ان يكتض عدد كبير من الافراد في استغلال ما يمكن استغلاله باقل عدد من الافراد، فتجد الاراضي الزراعية التي يمكن ان يقوم باستغلالها استغلالا اقتصاديا امثل بعدد من الزراع لا يزيد عن 100 شخص، فانها في تلك البلاد تستوعب اكثر من 500 شخص وهذا معناه وجود بطاقة مقنعة او هناك طاقة بشرية تبذل سدى دون أن يكون اها أي زيادة في الناتج القومي ... ويؤدي مثل هذا الضغط من جانب الافراد على الاراضي ان تنخفض مستويات اجورهم نظرا لتنافسهم على العمل.
ولا تقتصر المشكلة على هذه الحالة فقط بل تشمل كذلك الوسائل البدائية التي تتبع في الاستغلال الزراعي ... وكذا نظم الوحدات الصغيرة في الانتاج ... حيث تفتت الارض الى قطع صغيرة مما يضعف من قوتها الانتاجية كما ان الزراع لا يلجاون عادة الا الى زراعة المحاصيل الاستهلاكية الغذائية لسد حاجتهم ولا يهتمون بتلك المحاصيل التي قد ترد عليهم اموالا عن طريق تصديرها.
وحتى ان كان هناك من يهتم بزراعة المحاصيل التجارية فهم قلة لا تقوى على تكوين رؤوس اموال مما تجلب من الخارج من عملات مقابل ما تبعه من محاصيل.
ولربما ساءت احوال الانتاج الزراعي -في مثل هذه البلاد- فيدفعها ذلك الى الاستعطاف والاستجداء من الدول الغنية التي تقدم لها مساعدات غير مشروطة حينا ومشروطة أحيانا وبذلك تغوص في اعماقسحيقة حيث تكون طمعا سائغا لذلك الحوت الجشع الذي لا يعرف الا هل من مزيد.
اما عن علاقة السكان بالطاقة الحربية للدول فقد كانت ولا زالت مثار جدال ونقاش. فقد قيل بان اخطار الحروب تنشأ عن ضغط السكان في الاقليم مما يؤدي الى ضرورة احداث زيادة في الموارد وتوسيع نطاق الاقليم حتى يفسح المجال الحيوي بانسبة للسكان.
ويستند انصار هذا القول على ما اتبعته انجلترا في سياستها الاستعمارية التوسعية وما عمل به هتلر وموسوليني والقادة العسكريون في اليابان