الجزائرية، مع ما تمتاز به من ميزات ومقومات روحية وتاريخية. وقد أمعن النظر في حال أمته المتأخرة، وفكر طويلا فيما يجب أن تعالج به هذه الوضعية الشاذة الناشئة عن تمكن الجراثيم الاستعمارية في البلاد، فهداه تفكيره الشائب إلى أنه ليس أنجع في علاج في الأمة، ولا أفيد لها من توجيهها نحو تعاليم دينها، تستوحيها الهداية والرشد، ومن دعوتها إلى التمسك بلغتها، وتراثها الروحي والقومي. وقد أسس لهذا الغرض كثيرا من المدارس والأندية الثقافية التي قامت بمهمة نشر التربية والتعليم، وعملت على حماية الدين والعربية من الغارة الاستعمارية التي ما فتئت تستهدف إبادتهما والقضاء على كل اثر لهما.
ولعل هذا الجانب ابرز الجوانب في كفاح الأستاذ وكلن هناك جانبا آخر، قد يعد الجانب الثوري في حياته النضالية، وهو ما عرف عنه من شدة وصراحة في فضح أساليب الاستعمار وأعوانه وعملائه، غذ كان يجابههم دوما في قوة وشجاعة ترتعد لها فرائضهم، وتجعل أعوان الشر، وحلفاء الباطل ينخدلون أمام صيحات الحق المدوية، التي كان يواجههم بها بين الفينة والأخرى، دفاعا عن حقائق الوطن وصيانة لقوميته.
إن الشيخ ابن باديس لم يفارق دنيته، ويختار جوار الله في الملكوت الأعلى، إلا بعد أن أحيا امة أوشكت على الاضمحلال، وبعث نهضة قومية استوت على سوقها، وأتت أكلها كل حين بإذن ربها. وكان شارعنا قد أراد أن يطمئنه في قبره على أن جهوده لم تذهب سدى، وأن غرسه النامي قد أتى بالثمار المرجوة، فخاطبه قائلا:
«عبد الحميد لعل ذكرك خالد
ولعل وريك للعقول منير»
«لا تخش ضيعة ما تركت لنا سدى
فالوارثون لما تركت كثير»
*
* *
هذه بعض الذكريات التي طلت وما برحت موضع القدوة الحسنة، ومثار العبرة الكاملة لدى مواطنينا، كلما استعرضوا أطوار الكفاح الجزائري، وذكروا الرجال الذين أخذوا على عاتقهم قيادته نحو الظفر المرجو والنصر المرتقب.
أولئك (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ونمهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)