إن التاريخ سوف لا يهمل أبدا ما قامت به من أجله هذه الثورة، من تحقيق لأهداف نبيلة، وحماية لمثل وقيم إنسانية سامية، قدم هؤلاء الرجال وغيرهم حياتهم لها فدوى وقربانا بغية أن تحيى وتسود وتخلد في وطن من اعرق أوطان العروبة والإسلام.
*
* *
وتعود بنا الذكرى مرة ثانية إلى حقل ثورتنا لتعيش مع نوع آخر من الأبطال، الذين لم يجرد أي منهم الحسام ضد العدو، ولا استعمل في ثورته البندقية أو المدفع الرشاش، ولكن كلا منهم صال وجال في ميدان أعظم خطرا، وابلغ أثرا من استعمال السلاح المادي بمفردهن ذلك هو ميدان العلم والثقافة والتوجيه الصالح ونشر الوعي القومي بين الأفراد والجماعات، وإعداد الأمة للثوم المنتظر ...
ونقتصر على ذكر رجلين من نوع هؤلاء الثوار، فمناسبة حلول كذكرى وفاتهما في شهر ابريل. إذ كانت كل حركة يأتيانها هذان الرجلان، وكل نشاط يقومان به يعني التمهيد للثورة، وإعداد النفوس لاعتناق مبادئها، وتهيئة الأرض الخصبة التي تنبت وتترعرع فيها، وتنمو بين أحضانها.
أولهما الشيخ العربي التبسين رجل علم وعمل، فريد في ورعد وتقواه، وشدته في الحقن وغيرته على حرمات الدين، وعنفه مع الخونة والمفسدين، متضلع في فنه، بليغ في تعبيره وسرعة بديهته. أقض مضاجع المستعمرين، وأضحى شجى في حلوقهم، ونظرا لما امتاز به من شدة وعنف في حملاته لفرض سيطرتهم على الدين الإسلامي في الجزائر، واستعبادهم لرجاله، واغتابهم لأوقاته. حاولوا مساومته في عقيدته، وطمعوا ان يجدوا منه لينا أو مهاودة في حقوق بلادهن فلم يروا منه إلا المضي في حربهم، والتنديد بسياستهم العنصرية البغيضة، فاضطهدوه وعذبوه، وأخيرا قرروا القضاء النهائي عليه، وأوكلوا تنفيذ جريمتهم إلى جنود المظلات الفرنسيين، فاختطفه هؤلاء من منزله بعاصمة الجزائر يوم الرابع من شهر رمضان سنة 1376، موافق يوم رابع ابريل 1957، ولم يظهر له اثر بعد ذلك. ويعد اقتحام جنود المظلات منزل الشيخ العربي، واختطافه من فراش مرضه بتلك الصورة مأساة من أفظع الماسي الإنسانية، وجريمة من أشنع الجرائم التي اقترفها الاستعمار الفرنسي في بلادنا، لان الفرنسيين قد برهنوا بأسلوب اغتيالهم لهذه الشخصية الدينية الإسلامية، على عنصريتهم المقيتة وتعصبهم الأعمى، وعلى ما يضمرونه من الأحقاد الدفينة ضد الإسلام والمسلمين.
إن ساسة فرنسا حينما يعمدون على مهاجمة رجل مريض في منزلهن مجرد من كل سلاح، إلا سلاح الإيمان وإعداد النفس للاستشهاد في سبيل الله، غنما يبينون بذلك عن جبنهم ونذالتهم، وانعدام أية ذرة من ذرات الشرف في نفوسهم، وهذا شيء ليس غريبا عنهم ...
ولما شعر بعض المواطنين بالخطر الذي يهدد حياة الشيخ أشاروا عليه بمغادرة ارض الوطن، اتقاء لذلك الخطر المؤكد، لكنه امتنع من ذلك، خشية أن تؤثر هجرته على معنويات أبناء الشعب، أو تكون سببا في فتور بعض العزائم في مجال المقاومة. وقد آثر أن يستشهد فوق ترى بلاده على أن يفارقه ناجيا بنفسه رحمه الله.
*
* *
وأورد أن أجعل - مسك الختام لهذه اللمحات التذكارية - إشارة عابرة إلى ذكرى وفاة الرجل الثاني، أو الثائر الأول على اصح تعبير، ولذلك هو الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس، الذي تصادف ذكرى وفاته السنوية اليوم السادس عشر من شهر ابريل سنة 1940ن وبحلول هذا التاريخ تكون قد انقضت على وفاته عشرون سنة.
إن دراسة شخصية الشيخ عبد الحميد بن باديس وتحليل أفكاره ومبادئه في مجال العلم والدين والسياسة، لا تفي بها مقالة أو مقالات، بل هي تستحق أن تكتب فيها المجلدات. وحسبي أن الفت الأنظار - بهذه المناسبة - إلى جهاده العلمي والثقافي والوطني على العموم، وما كان من اثر عميق في إقامة دعائم النهضة الجزائرية الحديثة، تلك النهضة التي انبثق عنها وعي قومي شامل، استمد عناصره الأولى من روح الإسلام الصحيح والعروبة الأصيلة، إذ كان هم الرجل أن يجلي حقائق الدين الجوهرية الناصعة، المتمشية مع تطور المدنية والحضارة وتقديمهما في مراحل سيرهما نحو الخير والكمال الإنساني، وذلك في نطاق القومية العربية