تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هم غير الساميين (الكنعانيين، الأشوريين، الكلدانيين) بحجة أن لغة هؤلاء تحتوي على أسماء نباتات وأزهار لا تعرفها العرب وكذلك على أسماء انهار ومياه غريبة على موطن جنوب الجزيرة - والقول الفصل في هذا الموضوع أن الساميين أصلهم من وسط الجزيرة العربية أي أنهم والعرب من أرومة ونوع واحد، وتدل الحفريات والآثار والعادات الاجتماعية على أن العرب القدماء هو الذين هجروا من موطنهم إلى الشمال وأن الكثير منهم بقي في فلسطين والأردن والعراق وسوريا كما نسمي هذه الأقطار اليوم، وهنالك دليل آخر على وحدة الأرومة بين العرب والساميين، وهو الشبه الكبير الموجود بين اللغات السامية والعربية من حيث الاشتقاق ووزن الفعل الثلاثي والضمائر والتصريف والإعراب فكلها تتبع طريقة مشتركة واحدة، وبالإضافة إلى الدليل اللغوي هنالك دليل تشريحي فسيولوجي من حيث تشابه الوجوه والتقاطيع والقرينة الراسية (وهي العلامة ما بين طول الدماغ وعرضه منظور إليه من أعلى) فالحضارة العربية هي إذا حضارة سكان جنوب ووسط وشمال الجزيرة إلى حدود فارس شرقا وحدود الدولة العثمانية غربا.

وبعد هذه الفكرة التحليلية للمفهوم الحقيقي للحضارة العربية أريد أن القي سؤالا آخر: هل هنالك حضارة عربية قبل الإسلام، هل يصح لنا أن نصرح بأن النبوغ العربي نبوغ أصيل بدت ملامحه قبل الإسلام بقرون؟ الجواب على هذا السؤال يتخذ مظهرين:

1 - مظهر ضيق لا يرى الذين يتبنونه أي وجود حضاري للعرب قبل الإسلام وهم يقصدون بطبيعة الحال عرب وسط الجزيرة ولذلك أطلقوا على عرب ما قبل الإسلام بعرب الجاهلية لتفشي الجهالة بينهم والانحطاط المدني والعقلي ويرى المدققون في هذه الدراسات الحضارية أننا لم ندرس بعد واقع الحضارة العربية لسكان وسط الجزيرة دراسة شاملة وانه لم يصلنا اثر وآثار عن تلك العصور «الجاهلية» إلا ما يتعلق منها بالشعر أو اللغة أو الحكم والأمثال هذا هو التعليل المنطقي والحجة الصارمة لمن اسموا العرب بالجاهليين قبل الإسلام، ونحن لو رجعنا إلى القرآن فقط لوجدنا آيات عديدة تدل دلالة قاطعة على أن العرب كانت لهم حضارة عقلية رفيعة وكذلك نستطيع أن نتبين هذا من خلال القصائد الشعرية المروية عن شعراء ما قبل الإسلام وكلها تشير إشارة واضحة أن العرب كانت لهم أخلاق إنسانية سامية وعادات تؤكد المستوى العقلي الواعي لشعب عريق في الحضارة وإلا كيف يخاطب القرآن الكريم قوما لا يفقهون، وكيف يدركون حقيقة الوجود والحياة والكون بأسره وهم في مستوى الجاهل الغبي؟ بل كيف يكون القرآن بليغا حينما يخاطب قوما لا يدركون؟ والشرط الأساسي للكلام البليغ هو أن يفهم من السامع وأن يجد لديه أذنا صاغية وعقلا واعيا، ومن المؤكد كذلك أن القرآن لم يأت بأفكار كانت العرب تجهلها جهلا كاملا، فالتوحيد كان معروفا لدى العرب قال الله تعالى: «ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم» وقال أيضا جل علاه: «ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الأرض من بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون» وكذلك الصلاة فقد كانت معروفة لديهم قال الله تعالى: «وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون» وكانت العرب تصوم في العاشر من المحرم (يوم عاشوراء) وأن النبي كان يصومه قبل بعثته، وكذلك الأمر بالزكاة فكانت العرب تعطي للفقراء أو الحكام كما يفهم من قول الرسول العظيم: (يا معشر العرب احمدوا الله الذي وضع عنكم العشور) ولا داعي لتأكيد أمر الحج وقد كان العرب يعظمون الكعبة فكانوا يحجون ويعتمرون، وليس هذا القول هو كل الرد على من لا يرى للعرب أي وجود قبل الإسلام بكل الأدلة تؤكد أن العرب كانوا في شأن حضاري حقيقي وإذا أطلقت عليهم كلمة الجاهلية فلأنهم كانوا يجهلون الدين القويم والإسلام الحنيف.

2 - على أننا لو أخذنا وجهة النظر الثانية أصحاب المظهر أو المفهوم الواسع للعرب لوجدنا أدلة محسوسة تؤكد حضارة العرب قبل الإسلام فإذا كانت حضارة عرب نجد غير معروفة فحضارة عرب اليمن في الجنوب، وحضارة الشمال في تدمر والجزيرة (العراق) والشام شاهدة للعيان حتى يومنا هذا، وقد كتبت عن الحضارتين الأخيرتين كتب عديدة وكشفت الحفريات في جنوب الجزيرة وشمالها عن مستوى رفيع في العمران والهندسة والزراعة والتنجيم بل يرى بعض المؤرخين أن حضارة العراق والشام أقدم زمنا من حضارة مصر وأن الفراعنة كانوا على اتصال بهاتين الحضارتين بل هم تأثروا إلى حد بعيد بأساليب البناء والحساب والتنجيم وهذا الرأي بدأ يتغلب على الزعم بأن حضارة مصر هي أم الحضارات.

وهكذا فما كاد الإسلام ينزل على العرب حتى وجد التربة خصبة والعقول مهيأة مستعدة لحمله ونشره على كافة الناس، فجاء الإسلام فشجع التعليم والتعلم ومن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣١٨