تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سخف الرأي أن نجاري بعض المستشرقين الذين رأوا أن الحركة العقلية والفلسفية توقفت في عهد الرسول والخلفاء الراشدين والحقيقة أن هذه الفترة كانت فترة استعداد وتفهم للسلام وحده وتعميق معانيه بالاستناد إلى الحديث والسنة دون أي فلسفة أخرى، ولما استولى بنو أمية على الحكم استمر الاعتناء بالإسلام وكانت كل العلوم تقوم لخدمة غرض من أغراض توضيح تعاليم الدين الحنيف ولكن شيئا فشيئا بدأت العلوم العربية والحضارة بصفة عامة تستقل وتتميز شخصيتها حتى إذا ما جاء العصر العباسي وجدنا استقلال العلوم كاملا أو يكاد.

ومن الغريب أن تجد في كتاب «فجر الإسلام» للأستاذ احمد أمين رأيا يزعم بأن الأمويين لم يعنوا أصلا بالدراسات العلمية والبحوث التاريخية والفلسفية وإنما كان همهم الشعر وما إليه من علوم اللغة، يقول احمد أمين: (والذي يظهر لي أن المؤمنين لم يشجعوا من الحركات الدينية والتاريخية والأدبية إلا الحركة الأدبية والقصص الرسمي ففتحوا أبوابهم للشعراء والخطباء وبذلوا الأموال وعينوا القصاص في المساجد ولم يفعلوا شيئا من ذلك للعلماء والفلاسفة ولعل السبب في ذلك أمران (الأول) أن حكم الأمويين بني على الضغط والقهر فكانت حاجتهم على الشعراء والقصاص اشد لأنهم هم الذين يبشرون ويشيدون بذكرهم ويقومون في ذلك مقام الصحافة ... و (الثاني) أن نزعة الأمويين نزعة عربية جاهلية لا تتلذذ من فلسفة ولا من بحث ديني عميق إنما يلذ لها الشعر الجيد، والخطبة البليغة والحكمة الرائعة، قال المسعودي: كان عبد المالك بن مروان يحب الشعر والفخر والتقريط والمدح وكان عماله على مثل مذهبه وشأن أكثر بني أمية شان عبد الملك نستثني منهم خالد بن يزيد بن معاوية فقد كانت له نزعة دينية وقد شقي به الشعراء ... إذا عدونا هذين (خالد وعمر) لم نجد كبير اثر للأمويين في تشجيع الحركة الفسلفية والدينية والتاريخية كالذي نجده عند العباسيين مثلان ومع ذلك فقد نشطت هذه الحركات من نفسها).1

يمكن الرد على الأستاذ احمد أمين بأن عهد الظلم السياسي ودكتاتورية الحكم لا تؤدي دوما على انحطاط حضاري. في العهد العثماني مثلا كان الظلم شاملا ولكن حركة البناء والترجمة والتأليف لم تفتر، والمعروف كذلك عن خلفاء بني أمية أن الكثير منهم كان يحترم العلماء ويشجع الإنتاج العقلي الصرف فقد كان عمر بن عبد العزيز يقدر الإمام رجاء بن حيوة، وكان يناقش فرقة الخوارج في معتقداتها الفلسفية وكان الإمام الاوزاعي محاطا بكل إكبار واحترام، وقد احضر معاوية بن أبي سفيان البطريرك اليعقوبي تيودوروس وأسقف قنسرين ليناظر نصارى لبنان، بل يقال أن هشام بن عبد الملك كان أوصى غلامه سالما الرومي بالتنقيب عن بعض كتب الحكمة اليونانية القديمة بجمعها وترجمتها إلى العربية وأن ما ترجم سالم هذا هو بعض آثار أرسطو،2 وكذلك من الخطأ النظر إلى العهد الأموي مقرونا بالعهد العباسي الذي نضجت فيها الدراسات والبحوث العلمية والفلسفية بفضل الترجمة والاتصال بالحضارات الأخرى والرأي السديد هو اعتبار العصر الأموي مقدمة وتوطئة للطفرة الحضارية الهائلة في العصر العباسي.

«البقية في العدد القادم»

1) -فجر الإسلام، الطبعة الثالثة ص 187 و 208.

2) -انظر الفهرست لابن النديم ص 117.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣١٩