تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 .................. ص 55

عبقرية العرب في العلوم والآداب والفنون منذ عصر ما قبل الإسلام حتى عصر النهضة

للأستاذ: جمال الدين البغدادي

لقد آن الأوان لتأريخ الحضارة العربية تاريخا صادقا، وحان الوقت لتعريف الناس عنا وعن تراثنا وعما قدمناه فيما مضى من قيم عالية ولعلوم شتى وفنون رفيعة طالما كسفها المغرضون وحجبها عن الأعين المشوهون فحرفوا وزيفوا الحقيقة حتى حسب الناس أننا أمة طفيلية تعيش على موائد الحضارات العريقة ونحن الذين قدنا العالم قرونا حينما كان الظلام والضلال سائدين في أطراف المعمورة.

الآن والعملاق العربي على وشك الانطلاق ليسمع صوته مدويا يتحتم علينا أن نعيد النظر في وسائلنا التربوية وأن نغير المناهج العتيقة التي تغرس في جيلنا الشعور بالنقص والشك في مقدراتنا الذاتية على الخلق والإبداع، وأول هذه الخطوات إنارة دهاليز الماضي وكشف الغطاء عن الكنوز العقلية التي تركها الآباء ليزيد فيها الأبناء، وكم من حق مهضوم، وكم من جحود ونكران ونحن نقرأ اليوم الأخبار تلو الأخبار عن صاروخ محلق في الأجواء، وعن أقمار صناعية تكشف أسرار الكون ولم نعلم أن لبنات من هذا الصرخ الهائل وضعه هؤلاء الأجداد أمثال ابن الهيثم والباروني والرازي في الحساب والجبر وكمياء المعادن وأخلاطها وفي طرق البحث العلمي التجريبي المنظم، ولكن الحقيقة مهما شوهت فلا بد لها من يوم تطلع فيه فتية في عمر الزهر إن لم تكن إشراقات منها قد ظهرت فعلا ولم تعد مطمورة في طيات الكتب والأسفار، ويرجع بعض الفضل في دراسة حقيقة النبوغ العربي إلى كثير من المستشرقين والمستعمرين الذي بحثوا ونقبوا في المخطوطات المبعثرة هنا وهناك في مختلف مكتبات العالم فشرحوا الكثير منها وفهرسوها وبوبوها تبويبا منظما جعل الرجوع إليها متيسرا حتى لغير المختصين وصدرت منذ نهاية القرن الماضي دراسات وبحوث قيمة حول التأثيرات المتبادلة بين الشرق والغرب وحول فضل العرب في نقل التراث اليوناني إلى اللغة العربية، على أن الدراسات لا زالت قائمة حول حقيقة هذا النقل وسر عبقرية العرب ونصيبهم الأصيل من هذا التراث بعد أن سمعنا الكثير من النقاد ينكرون عليهم هذا الإبداع معترفين لهم بالنقل والترجمة فحسب دون الأصالة والخلق، وإذا كانت هذه الفكرة غير مقبولة اليوم حيث أن نصيب العرب العلمي والفلسفي بدت ملموسا أو شبه ملموس فإن الكتابة في هذا المجال لم تبلغ تمامها بعد، وما حقق حتى اليوم هو حصر الأسماء والكتب التي تناولت هذه الجوانب العقلية دون إبراز الروح العلمية والبيئية العقلية العربية في عصورها المزدهرة.

والمؤرخ الباحث في هذا السبيل يجد صعوبة جمة عندما يباشر هذا الموضوع بروح علمية موضوعية فاغلب المراجع ضاعت والكثير من الحقائق لم تزل في بطون الكتب ثم صعوبات التفسير والتأويل وتفهم النصوص عقبات أخرى تحول دون الدراسة اليقينية، ولذلك وجب علينا أن نتغلب على هذه العقبات ومواجهتها بالصبر على العمل الفكري المجهد والتساند مع مختلف العلماء العرب وغيرهم لأن البحث الفردي أصبح غير مجدي مهما كان هذا الفرد متطلعا فلا بد لنا أن نتقبل الاشتراكية العلمية والتعاون الدولي متوخين في كل هذا كشف حقيقة الحضارة العربية.

قبل أن يذكر الجوانب العديدة للنبوغ العربي يحسن أن نوضح كلمة «العرب» الكثيرة التناول على السنة الناس دون التفهم الدقيق، فمن هم العرب؟ أي شعب يطلق عليه هذا المسمى وحضارة من هؤلاء الذين أسقطت عليهم الأضواء وباتوا على وشك تكوين كتلة ثالثة بين الشرق والغرب؟ كثر الحديث حول أصل العرب خاصة والساميين عامة ووجدنا من يفرق بين الساميين أي سكان ما بين النهرين (العراق) وشمال الجزيرة العربية (سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين) وبين العرب سكان وسط الجزيرة العربية، وقيل بأن العرب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣١٧