تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السلتي، وهذا العنصر ينتمي إلى الجنس الهندي الأوربي الذي انتقل إلى أوربا الغربية قبل الميلاد بكثير وأقام منهم (الولش) بانجلترا والبلج في بلجيكة والغاليون بفرنسا والابيريون باسبانيا ثم انتقل فريق منهم إلى شمال إفريقيا حيث سموا بالبرابرة وهكذا .. ويعتمدون في حجتهم الواهية على مظاهر بعض العوائد التي تتشابه عند الأجناس، وبعض العادات التي تكاد أن تكون من مظاهر الغريزة البشرية وهذا الرأي إنما يريد أن يقيم صلة نسب بين البربر والاسبانيين والفرنسيين ليتم له الاندماج الاستعماري ويتأتى للذئب أن يفترس الحمل بصفة أكثر ودا وأوفر وصلا.

لذلك لا حاجة لمناقشته لأن حججه أوهى من بيت العنكبوت كما يقال، وهناك آية أخرى هي وحدة الجنس بين أعرب والبربر هي في الصفات الفطرية المنتزعة من صميم العقل الباطن والتي يخطى الحق في اعتبارها من عوامل الأصل فهناك خصال نفسية لا سبيل إلى شيوعها وذيوعها بين قبائل البشر أجمعين بل هي مكتسبة عن الوراثة وعوامل الدم والرحم لا غير فمن هذه الصفات (الغيرة) عن الشرف وهي من الطبائع التي يستعذب العربي الموت في الذياد عنها، ومن طبائع البربري الذي يستمرىء الدم من أجلها، ومظاهر هذه الغيرة وإن كانت تختلف فهي في جوهرها غيرة ايجابية دافعة إلى اقتحام المنون واستعذاب الموت، ومن ذلك الكرم وهو من أخلاق الساميين وقلما نشاهده في أريحيته في غيرهم من شعوب الأرض، ومن ذلك الشجاعة التي تفقد صاحبها الوعي فيسترخص حياته ويرى فيها مجده الأوحد ومروءته الكاملة فلا يتهاون ساعة اللقاء ولا يجبن في الهيجاء.

والصفات الخلقية المكونة لما يسمى بالروح البربرية هي صفات العربي الجاهلي القديم فهو يدافع عن تصرفاته ولا يسمح بتقنينها ويحافظ على الجوار، ومحافظته على عهده جعلت منه رجلا صابرا على المكاره ثابتا في الشدائد، وهذه الصفات كونت له نظاما خاصا يعيش عليه فلم يعرف الحكم المركز وإنما كان يعصوصب حول عظيم يدافع عنه لذلك عرف نظاما للحكم هو نظام (القيادة) الذي ينفذ بعد حكم استشاري هو راي الجماعة التي تسير على قانون قبلي يعبر عنه (بارزف) أما الحياة الاجتماعية البربرية فهي تحذو حذو المجتمع العربي القديم حذو القدة بالقدة، سواء ما يتعلق بالعوائد السوسيولوجية واخصها الوشم والخضاب والختان أو المعتقدات (المتافزكية) وأهمها التعلق بحركات الكواكب ومظاهر الكون المفزعة والسجود في العبادة وتحريم لحم الخنزير كما ذكر كوتين ولولا بعض التأثيرات البيئية التي لا مناص من الخضوع لها والتي عبر عنها أحد أعلام الفكر البربري في عهد المولى إسماعيل وهو الحسن اليوسي بقوله في كتابه (المحاضرات): «لو علم أرسطو فضل الكسكوس في الطعام والموسى في الحلق والبرنوص في اللباس لشهد للبربري بالحكمة» وهناك حجة لغوية على هذه الصلة السلالية بين العرب والبربر، وذلك لأن اللغات السامية لها مميزات خاصة وذكرها دروزة في كتابه «الوحدة العربية» منها:

1 - اعتمادها على الحروف الصامتة، ولا تلتفت إلى الأصوات بمقدار ما تلتفت إلى الحروف الصامتة.

2 - أغلب الكلمات السامية يرجع اشتقاقها إلى أصل ذي ثلاثة أحرف أو حرفين يصبغ على اللغات السامية ظاهرة الفعل، لان اشتقاقات كلماتها هي في الأصل من الفعل، وليس في اللغة السامية اثر لإدغام كلمة في أخرى حتى تصير الاثنتان كلمة واحدة تدل على معنى مركب من كلمتين مستقلتين كما في اللغات الأخرى.

والذين يدرسون اللغة البربرية يشهدون لها بهذه الظاهرة فلا مجال إذا للشك في انتسابها إلى الأرومة السامية التي لا تجمع العرب والبربر جمعا لغويا فقط بل تجمع بينهما جنسيا وسلاليا، ولقد أثار اختلاف اللهجتين العربية والبربرية في بلاد المغرب فضول المستشرقين أيضا فشكوا في وحدة العنصر مع أن في سوريا فريق يتكلم الكردية والتركية وفي السودان فريق يتكلم الزنجية، ولم يشك علماء النسب في وحدة الجنس رغم اختلاف اللغات واللهجات.

فاللغة البربرية من العائلة اللغوية السامية كأختها العربية وهي من اللغات السامية القديمة المعبر عنها في تاريخ اللغات Protosèmitique وهي تتشابه مع العربية في كثير من المفردات واصل الاشتقاق ومخارج الحروف، ولقحت هذه اللغة مرة أخرى بالعربية القحطانية بعد جلاء يهود خيبر عن ضواحي يثرب وإقامتهم بشمال إفريقيا حيث اشتغلوا بالحرث والفلاحة، كما لقحت قبل ذلك بالعربية قبل الميلاد بخمسة قرون أي عام 480 حيث هاجرت قبائل كنعانية عربية إلى بلاد إفريقيا وتكونت اللغة المعروفة بلغة البونيك وهي لغة سامية خليطة من الفينيقية والعبرية بل هي اقرب لغة إلى الفصحى العربية القديمة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣١٥