حاربهم وخبروا قسوته في الغزو والهيجاء، وقد لعب البربر دورا هاما رئيسيا في تاريخ الحضارة العربية في تاريخ حوض الأبيض المتوسط حيث أقاموا الممالك ودوخوا الأمصار وامتدوا في الأنحاء منذ خرجوا من الجزيرة العربية إلى شواطئ النيل ثم إلى بلاد (أمانتي) قبل عصرنا هذا بعشرة آلاف سنة، ثم قصدته جالية كنعانية ببعد انتصار بني إسرائيل عليها في عهد الفينيقيين كما ذكر ذلك اليوناني (بروكوب) بقوله: عندما عجز أهل فلسطين عن صد غزاة بلادهم هاجروا إلى مصر فليبيا فأصنام هرقل في سفن فينيقية فهاجروا إذا إلى أمانتي كما سماها قدماء المصريين أو (هيسييريا) كما سماها اليونان أو المغرب كما سماها العرب القدماء وهنالك استمروا حقبا مديدة ردوا خلالها غزو الوندال واعتداء الرومان على بلادهم، متعاونين مع أبناء عمومتهم الفينيقيين في الحروب البونيقية التي دامت عشرات السنين ... ثم استقبلوا بعد حقبة أحفاد أجدادهم العرب بعد ظهور الإسلام حيث سار تاريخ الحضارة الإسلامية زاهرا يانعا في هذه البلاد العزيزة ... لقد تساكن في المغرب منذ قرون شعبان عظيمان ينحدران من أرومة واحدة وهما الشعب العربي والشعب البربري، واتحدا معا نظاما وعقيدة، واجتماعا بل اتحدا في الدفاع عن ارض المغرب، وفي حمل مشعل الحضارة الإسلامية إلى الغرب، فما هي الأسباب الرئيسية التي دعمت هذا الاتحاد؟.
هناك مقومات عددية لهذا الاتحاد وأوضحها الوحدة الجنسية وكان بالود أن لا تتعرض لهذه الوحدة الجنسية لأن البحث العلمي الحديث لا يرى الوحدة العصرية من مقومات الاتحاد إذ من المشاهد أن هذه الوحدة موطدة في بلاد لا يجمع بين سكانها أصل عنصري واحد، ولكن مع ذلك فلا ننكر على هذه الوحدة سيما في الشعوب التي لا تقحم في الاتحاد لدوافع سياسية أو لأحلاف عسكرية وإنما تتحد اتحادا طبيعيا نتيجة الميول والطبائع، والبربر والعرب في نظر علماء الانتروبولوجي متحدو الأرومة وذلك لأن البربر أو الامازيغ من أبناء سام او حام اتخذوا الجزيرة موطنا لهم، ثم نزحوا إلى الشام وبلاد النوبة وضفاف النيل بمصر وعبروا بعد ذلك بلاد ليبيا إلى شمال إفريقيا حيث أقاموا بها وإذن فالبربر من عنصر عربي على أصح الأقوال وهو من سلالة أمة يمنية هاربة من قحطان نزحوا عن ديارهم لأسباب جيولوجية وسياسية ويذكر مؤرخو اليونان أنهم عثروا في شمال إفريقيا على كتابة فوق الرخام مضمنها أنهم لحقوا بهذه الديار هربا من يوشع بن تون، ودفعتهم عوامل جغرافية إلى اختيار الإقامة في شمال إفريقيا التي تتشابه الحياة الخصبة فيها بالحياة الخصبة في بلاد اليمن، وعلى هذا فالتفسير التاريخي لسكان المغرب العربي هو أن أصلهم من الجزيرة العربية جاءوا في دفعات متوالية حسب عوامل الهجرة، فقد قدموا ملتجئين في الفترة الأولى ثم جاءوا في عهد الفينيقيين، وأخيرا جاءوا فاتحين ناشرين للدعوة الإسلامية بعد الهجرة.
وما ظهر الإسلام وغزا العرب المغرب ناشرين للدين الإسلامي حتى تحرك الشوق القديم الذي ظل خافتا طيلة عصر الوندال الأليم، وعهد البزنطيين المظلم وانتعشت جذوة الحضارة الشرقية الكامنة في بلاد البربر، تلك الجذوة الجنسية التي أذكاها القرطاجنيون، ثم التهبت بعد الفتح الإسلامي وهذا التفسير الذي يذكره النسابون يكاد أن تتفق عليه روايات نسابي العرب والبربر معا، فالنسابون العرب من (ابن الكلبي) إلى (ابن قتيبة) وابن جرير الطبري والمسعودي والوراق التونسي، ومن ابن حزم إلى ابن خلدون يكادون يتفقهون على نسبة البربر إلى العرب الحمريين، بل أن بعض القبائل البربرية كقبيلة صنهاجة تضيف إلى اسمها القبلي وصفها بالحميرية فيقول (الصنهاجي) الحميرين ويذكر مؤلف القرطاس أن بر بن قيس وأمه بريغ بنت مجدول اصل قبائل سكنت بالشام وجاروت العرب فامتزجت بهم، فالبتر عرب مضريون والبرانس يمنيون، وذلك لأن القبائل البربرية ترجع إلى ارومتين وهما برنسو (مادغيس) الملقب بالبتر. غير أن ابن حزم ينتقد كون صنهاجة وكتامة من حمير وأيده مؤلف نشر المتاني وصاحب البدور الضاوية ولكنه لا يخرجهم عن فصيلة الحاميين أبناء عم سام، والنسابون البرابرة كسابق المطماطي المشهور، يذكر نسبة البربر دائما إلى العنصر العربي، فمن التعسف الاستناد إلى مظاهر بدائية لنسبة البربر إلى الغالبين من السلت لتحقيق مغزى استعماري وضيع لا لتحقيق بحث علمي نزيه.
ويذكر كوزيل أن قرطاجنة لم تبذل جهودا لإدماج البربر في حضارتها وذلك لأن لغة البونيك التي تقرب من آرمية أهل الشام هي لغة أمراء ضوميديا كما أكد ذلك سان أوجستان ونقله غير واحد. وذكر كوتي في (عصور المغرب الغامضة) أن العرب المتكلمين باللغة البونيكية هاجروا إلى المغرب وانتشروا في إفريقيا الشمالية بعد وفاة النبي موسى، وهو نفس ما يقول ابن خلدون عن هجرة الحميريين والكنعانيين إلى المغرب عن طريق مصر في غزو افريقش الحميري لبلاد المغرب حيث أصبحوا في ما بعد معروفين بالبرابرة، ولكن المغرضين من المؤرخين الأوربيين يدعون أن البربر من العنصر