في لفظة سياسية نوعا من المرونة كفيلا بتحديد المعنى المقصود من التخطيط خاصة والمسافة الزمنية التي تستوعبها الخطة تكون عرضة لمؤثرات يتعذر حسابها مقدما بالدقة الكافية مما يلزم التعديل في بعض المفردات المكونة للخطة ...
والمفهوم الاصطلاحي للفظة تخطيط لا تنحصر عند زاوية معينة من النشاط بل ينصرف إلى شبكة من الخطط التي يكمل بعضها بعضا ولنا في البلاد المتخلفة مثالا صادقا لتوضيح مدى تشعب الخطط وتكاملها بحيث نجد أنفسنا حيارى أمام مشاريع لا تقدر على الترجيح بينها من حيث الأهمية النسبية وضرورة التقدم والتأخير ... غير أن ظروف الحال تبدأ بعض حيرتنا وتخضعنا للواقع ... حيث نبتدئ بالأهم وذلك بالنسبة لظروف المجتمع.
والبلاد المتخلفة عادة ما تكون في حاجة إلى رؤوس أموال ... إعادة توزيع الدخول والثروات بين الأفراد - تشجيع الادخار - نشر التعليم العام - تيسير العلوم التخصصية كالفنون التطبيقية والدراسات النظرية - تمسح الأراضي جيولوجيا - إحصاء إمكانيات الطبيعة - دراسة الفرص المتاحة لتوطين صناعات ومهن أخرى إلى غير ذلك من الخطط التفصيلية التي ينبغي الأخذ منها جميعا بنصيب حال التخطيط ...
لهذا نجد أن رغم كون الهدف الرئيسي من التخطيط هو رفع مستوى المعيشة لأفراد المجتمع إلا أن الوصول إلى هذا الهدف يتتبع رسم أهداف عديدة لخطة التعليم - وخطة الصحة - الإنتاج الزراعي - الإنتاج الصناعي التمويل ... الخ.
لأن الهدف الخير من التخطيط يعتبر قضية متكاملة بل هو وحده كلية تتألف من عناصر كثيرة لكل عنصر منها درجته في الأهمية والإلحاح.
وإذا نظرنا على التمويل في مراحل التخطيط نجد أن التمويل وظيفة جوهرية وهو إما تمويل مستديم أو مؤقت.
والمستديم عليه تقوم المشروعات وبفضله تسير وإن حدث أي عجز في الحصول على ما يكفي للسير بالخطة 'إلى المرحلة النهائية فإن التوقف يسبب عطلا تاما في المال المجمد في المشروعات وتكون النتيجة إلحاق الضرر بالاقتصاد القومي للبلد ..
أما التمويل المؤقت في مرحلة التخطيط فهو ناتج عن النشاط الذي يسود المجالات المتصلة بالمشروعات التي تشملها الخطة بحيث يزداد الطلب على الأموال الحاضرة لفترات قصيرة ون حدث إن كانت مصادر التمويل غير كافية فإن الآثار ستكون في اتجاه مضاد للصعود في مجال النشاط. لأن المشروعات إذا توقفت وهي في مرحلة التكوين العملي بفعل المؤثرات المفاجئة فإن الاقتصاد القومي سيتعرض لنضوب في الموارد بسبب مجمد الأموال كما أسلفت القول.
وإذا تركنا جانبا التمويل لنبحث عن أساليب التخطيط ... فإننا نجدها جميعا تؤدي إلى غاية واحدة على تفاوت في السرعة والشمول ..
وأشهر هذه الأساليب:
سياسة النفقات العامة - التخطيط بتحديد الأهداف من التخطيط بأسلوب شامل.
سياسة النفقات العامة:
طبقا لهذا الأسلوب تتخذ الدولة من سياستها في الإنفاق وسيلة للتخطيط - بمعنى أن الحكومة بعد أن تقوم بالدراسة العامة والتقدير الشامل للخطة المرسومة لديها، وبعد أن تحدد الأهداف والمراحل والوسائل تعتمد على التنفيذ عن طريق توجيهها للأموال العامة سواء كانت هذه الأموال العامة من الميزانية العادية ام من ميزانيات غير عادية أو خاصة - ولهذا الأسلوب منطق مقبول لأن التخطيط شديد الالتصاق بالتطوير ولم نقل التنمية (لأن التنمية تصدق على الدول المتقدمة).
ولما كان التطوير يفترض التحكم في السلوك الاقتصادي للمجتمع فإن هذا القول يتفق وتركيز جانب كبير من سلطة التنفيذ في يد الدولة وبما أن أموال الدولة هي الأموال العامة من ثم تكون سياسة الإنفاق لهذه الأموال العامة أسلوبا للتخطيط بمعنى أكثر شمولا والذي يجمع بين الدرس والتنفيذ ...
وعند إتباع هذا الأسلوب فإن الدولة تتولى بهيئاتها وأجهزتها تنفيذ الخطوط المرسومة. وقد تعمد أيضا إلى إنشاء منظمات أو مؤسسات عامة أو شبه عامة لتتولى وظيفة التخطيط دراسة وتنفيذا.
غير أن لهذا الأسلوب عيوبا فتدخل الحكومة في القطاع الخاص بصورة مبالغ فيها يؤدي إلى القضاء على الدافع الشخصي الذي له ميزة تنمية الكفاية العالية للإنتاج والتطوير والابتكار .. كما أن التحكم في سلوك الناس يبعد بالتخطيط عن الواقعية .. ويجعله أقرب إلى الخيال ..
وإن كانت البلاد المتخلفة تفتقر إلى هذا الأسلوب التحكمي بحكم ظروفها فليس معنى ذلك أنه يلزمها مثل هذا التحكم إلى الأبد إذ بمجرد أن يرقى الوعي الاقتصادي بين أفرادها. تدعو الضرورة إلى تخلي الحكومة عن بعض السلطات وحصرها على التوجيه والإرشاد والرقابة دون التنفيذ.