تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 .................. ص 48

نظرة حول التخطيط الاقتصادي وأعمال الدولة

للأستاذ: محمد الصادق البقالي

يمكننا أن نميز بين نوعين من التخطيط:

أ- تخطيط إلزامي شامل لكافة فروع النشاط الاقتصادي - في الإنتاج والتوزيع - وهو من سمات النظام الجماعي الذي يرمي إلى وضع السلطات جميعها في يد الحكومة دون أن يكون للإفراد دخل في تسيير دفة النشاط بحرية ورضاء .. غير أن هذا التخطيط يثير كثيرا من المشاكل منها:

1 - عدم استطاعة الهيئة المركزية المشرفة على التخطيط حصر ومعرفة حاجات الأفراد الحقيقية بدقة رغم ما يتوفر لديها من بيانات ... نظرا لانعدام جهاز السوق تحت ظل هذا النظام بخلاف الحال في ظل النظام الرأسمالي حيث يسترشد المنظمون بأسعار السلع قبل المنظمون على زيادة إنتاجها والعكس في حالة انكماش الطلب ...

2 - صعوبة تنفيذ التخطيط على الوجه الأكمل نظرا لتعقيد الحياة الاجتماعية إذ لا يمكن البت في أمر سلعة من السلع دون الرجوع إلى الآثار التي قد يحدثها تصرف ما لأن العلاقة بين آلاف السلع المستخدمة في المجتمع الحديث ... لذلك كان لابد من الإلمام الشامل لمعرفة مثل هذه العلاقات حتى توضع الخطة المحكمة ... وهذا ليس بالأمر اليسير.

3 - ثم إن الحافز الشخصي لدى المنظمين ينعدم في ظل هذا النظام فتنخفض الطاقة الإنتاجية ومستوى الكفاية بل تجهد الفكر ويكسل عن الابتكار والتجديد والاختراع (وهذه بالطبع حالة نسبية) ...

ويكفينا دليلا على صعوبة تطبيق التخطيط الإلزامي ما قاله أحد أئمة الشيوعيين المتطرفين (ترو تسكي) حين اعترف في مؤلفه «الاقتصاد السوفياتي في خطر» بقوله:

«لو كان هناك عقل يستطيع أن يسجل في الحال جميع أعمال الطبيعة والمجتمع وان يقدر تقديرا دقيقا اتجاه تحركها وأن يتنبأ بنتائج هذه الأعمال لكان دون شك في إمكان مثل هذا العقل أن يرسم خطة اقتصادية شاملة».

ب- أما التخطيط الاختياري فهو لا يحوي عنصر الإكراه والإلزام بل يقتصر دور الحكومة على إرشاد المنظمين ومدهم بالمعلومات الإحصائية عن اتجاه النشاط الاقتصادي في الفترة المقبلة وهذا النوع من التوجيه يعتبر علاجا لتلك الثغرة الماثلة في النظام الرأسمالي الحر. حيث يترك الأفراد أحرارا أكثر من اللازم دون أن تضع لهم الحكومة الخطوط العريضة أو تنسيق بين خططهم التي قد تتضارب فيؤدى إلى ارتباك ... كما يكون الارتباك ناجما عن عدم التنسيق بين كل من قطاع الحكومة العام وبين القطاع الخاص.

وعن طريق التوجيه يستطيع أي منظم أن يضع خطته الخاصة بالاستثمار مع وجود إطار منسق يدفع بالركب الاقتصادي في حالة أكثر توازنا ... وأقل عرضة للاختلال .... 1

وسواء كان التخطيط إجباريا أو اختيارا فهو كما عرفه الأستاذ عيسى عبده في كتابه إدارة المشروعات الصناعية - «وضع سياسة بعيدة المدى هادفة» ولم يشأ أن يعرفه بأنه تنظيم على الزمان والمكان بل عدل عن لفظة تنظيم لأنها لا تتصف بالمرونة على حد قوله ووجد

1) التوازن الاقتصادي للدكتور عبد العزيز مرعى.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣١٠