نظموا قوافيها وأوزانها الشعرية، وهكذا كلما تعرض لصوت من الأصوات إلا وتعرض في الحقيقة للشاعر الناظم فيطل في الكلام عنه وعن قصائده وشاعريته وما إلى ذلك. ثم ينتقل بعد ذلك على الملحن فيفعل معه مثل ما فعل مع الشاعر الناظم.
والواقع أن «الأغاني» كتاب أدب أكثر منه كتبا موسيقى، بل إن قيمته الموسيقية لا تكاد تذكر إذا ما قورنت بقيمته الأدبية والتاريخية، تلك القيمة التي أتته من كونه يتحدث عن مجالس الغناء في ذلك العصر، فيجيد تصوريها ويصفها وصفا دقيقا مفعما بالحيوية والحركة، مما لا نجد له نظيرا في بقية الكتب الأدبية العربية. ولذلك فلا غرابة إذا اعتبره الدارسون معلمة ثمينة للأدب العربي الأصيل وموسوعة نفيسة للمعارف العربية، يحق لمكتبنا أن تفاخر بها الآداب العالمية الأخرى.
وسوف يطول بنا المجال إذا نحن تناولنا كتاب الأغاني بالدرس والتمحيص وإذا أردنا أن نوفيه حقه في الدراسة تطلب ذلك منا وحده كتابا مستقلا بذاته. وللتدليل على ما نقول نذكر بعض الكتب التي درست كتاب الأغاني بالتفصيل. فهناك كتاب «دراسة الأغاني» للأستاذ شفيق جبري عميد كلية الآداب بجامعة دمشق، وهنالك كتاب «أبو الفرج وكتاب الأغاني» لمحمد عبد الجواد الاصمعي من منشورات دار المعارف بالقاهرة.
وعن طريقة أبي الفرج في التأليف يمكن القول بأن طريقته تمثل نموذجا حيا من نماذج التأليف العربي في ذلك العصر، إذ كان فقدان الاختصاص وعدم الاقتصار على مادة واحدة، على جانب الاستطراد المستمر، من مميزات تلك الطريقة. وإلى جانب ذلك مكان أبو الفرج يعتمد في تأليفه على الرواية المرفقة بالأسانيد الطويلة، أي على الطريقة المعروفة في جمع الحديث الشريف عند العلماء المسلمين وهي طريقة شهد ببراعتها وصحة منهجها كثير من العلماء الاجتماعيين في العصر الحاضر وعلى رأسهم المؤرخ اللبناني الكبير اسد رستم صاحب كتاب «مصطلح التاريخ» في كيفية تقصي الأخبار التاريخية، وقد أشار ياقوت الحموي صاحب المعجم إلى طريقة أبي الفرج في التأليف فقال ما معناه في ج 13 والصحيفة 95 «وكان أبو الفرج الاصبهاني يجمع بين سعة الرواية والحذق في الدراية، كما: كان معروفا بحسن استيعاب ما يتصدى لجمعه» في نفس الموضوع قال ابن النديم صاحب الفهرست ص 167 «كان أبو الفرج يروي ما يروي في كتابه مرفقا بالأسانيد المطولة كما كان يشير على مصادره المكتوبة في كثير من الأحيان، وكان أكثر تعويله في تصنيفه على الكتب المنسوبة الخطوط أو غيرها من الأصول الجياد». وقد ذكر ذلك أبو الفرج نفسه في مقدمة كتباه وزعم أنه انفق في تأليفه خمسين عاما من حياته.
وإذا عرفنا أن الكتاب يحوي ترجمة خمس مائة شاعر وشاعرة زال استغرابنا للرواية التي ترويى عن الكاتب الصاحب بن عباد الوزير البويهي، في شأن هذا الكتاب إذ يروى عنه أنه (أي الصاحب) كان مولعا باقتناء الكتب حتى اجتمع له منها ما لم يجتمع لغيرهن فكان إذا سافر استصحب معه من الكتب ما يحمل على ثلاثين جملا فلما وصل إليه كتاب الأغاني استغنى عنها جميعا.
بقي علينا أن نذكر أن الكتاب حينما طبع لأول مرة بمطبعه بولاق (القاهرة) في سنة 1285هـ (1868م)، كان يقع في 20 جزءان وبعد ذلك أضاف إليه المستشرق (رودولف بروفو) جزءا آخر في سنة (1888م) ثم أضاف إليه المستشرق الايطالي (جويدي) فهارس هجائية طبعت باللغة الفرنسية في مجلد ضخم مستقل سنة1900. وتمت الطبعة الثانية في القاهرة سنة 1323هـ حيث جاء مشتملا على 21 جزءان مضافا إليها فهارس (جويدي). أما الطبعة الثالثة فقد بدأت سنة 1927 بالقاهرة أيضا ولكنها لم تنته بعد.
تلكم كانت نظرة خاطفة عن كتاب «الأغاني» قدمتها للقارئ ليعرف من هو أبو الفرج وما هو كتابه الشهير وما هي قيمته الأدبية والتاريخية في آن واحد. فإذا رسخ في ذهننا ذلك أدركنا سبب اعتماد كثير من المؤلفين المعاصرين عليه وعرفنا لماذا يشيرون إليه غالبا سواء في هوامشهم، أو في أواخر مؤلفاتهم عندما يتصدون لذكر المصادر والمراجع التي استقوا منها أبحاثهم ودراساتهم.
وهكذا اتصفت همة أسلافنا بالجلد والصبر والمثابرة على العمل حتى الوصول إلى النهاية المتوخاة.
وبعد أفلا يحق لنا أن نباهي ونضاهي بما أنتجه الفكر العربي وما خطته أقلام العلماء المسلمين من جلائل الأفكار وعظائم الإعمال؟.