تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 .................. ص 46

من تراثنا الفكري

للأستاذ: عبد الحق بنيس

جاء على الامة الإسلامية حين من الدهر خبا فيه نور حضارتها، وتضافرت عليها عوامل داخلية وخارجية جعلت منها أمة منكمشة على نفسها، وجعلت من تراثنا مهملا في الرفوف، لا يجد من يمسح عنه غبار الزمان، ولا من يسامره ويحاوره. فلما بزغ فجر نهضتنا الحالية فعدنا إلى تراثنا المجيد نسائله ونسامره ونحاوره أجابنا: أننا أمة جديرة بالحياة وبالبقاء، وان لنا تراثا معبرا عن مقوماتنا وخصائصنا الذاتية، وان لنا حضارة زاهية الألوان باسمة الوجه تصيح بملء فيها أن فكوا أغلالي وأطلقوا سراحي فإنني قاومت عوادي الزمان ونكبات الأيام ومع ذلك لا زلت صالحة لكل زمان ولا زلت قادرة على الحياة ما بقيت على وجه البسيطة حياة.

كان الرجوع إذن إلى تراثنا الفكري ضرورة ملحة تفرضها علينا أصالته وتحتمها طبيعته التي تختلف اختلافا أساسيا عن التراث اليوناني مثلا ذلك التراث الذي اتخذه الغرب كأساس لحضارته الحالية. وإذا ماتت لغة هوميروس وارسطاطاليس فإن لغة الأمة العربية لم تمت بفضل الكتاب الحكيم الذي انزل بها. ومن حسن حظ العرب أن القرآن الكريم نزل بلغتهم، فحفظها من الاندثار الذي حصل لأمم من قبلهم كاليونان والرومان وغيرهم من الأقوام الغابرة. ولم تكد الرسالة الإسلامية تنتشر حتى رافقتها حضارة إنسانية عالمية سجل مظاهرها كثير من المؤرخين المعاصرين في العالمين الغربي والشرقي سواء بسواء.

ومن الصعب جدا الإتيان على التراث الفكري العربي في مقال واحد أو مقالين، فلذلك وحده يتطلب أعواما على مقاعد الدراسة، ويتطلب الرجوع إلى كثير من المصادر والمراجع. على أنني رأيت أن اخص هذا المقال بالحديث عن كتاب طبقت شهرته الآفاق وتحدث به كل مشتغل بقضايا الفكر العربي في عصوره الذهبية. وهذا الكتاب هو الذي يعرف باسم «الأغاني».

فما هذا الكتاب؟ ومن مؤلفه؟ وما طريقة التأليف التي اتبعت فيه؟ تلكم أسئلة إن اجبنا عليها كانت كافية لإعطاء القارئ صورة واضحة عن كتاب «الأغاني».

*

مؤلف الكتاب هو علي بن الحسين بن محمد القرشي المعروف بابي الفرج الاصبهاني. ولد في أواخر القرن الهجري الثالث في مدينة اصبهان من بلاد فارس (إيران الحالية) ومن هنا أتاه الاسم الذي عرف به. وقد نشأ أبو الفرج نشأة أدبية كان لها أحسن الأثر في إلمامه بشوارد اللغة وشواذها، ثم توفي في أوساط القرن الهجري الرابع عن سن يناهز الخامسة والسبعين من عمره.

أما الكتاب فإنه مصدر هام من مصادر البحث عن تراجم الأدباء والشعراء عند العرب، إذ أن مؤلفه يذكر جميع ما يعرف عن الشاعر من نسبه وأخباره واتصالاته مع مختلف الشخصيات السياسية والثقافية فجاء بذلك صورة صادقة عن الحالة الفكرية والحالية الاجتماعية عند العرب منذ عصورهم الأولى حتى عصر المؤلف. إلا أن السؤال الذي يوضع عادة عند الكلام عن «الأغاني» هو: ما هي العلاقة بين العنوان الذي اختير للكتاب وبين موضوع الكتاب؟ وبمعنى آخر هل هو كتاب موسيقي أو كتاب أدب إذا رجعنا إلى كتب التاريخ لنطرح عليها مثل هذا السؤال أجابتنا بأن الخليفة العباسي (ق2 ه) كان قد أمر بعض المغنين باصطفاء مائة صوت أو أغنية من بين الأغاني المشهورة، ليعتمدها في مجالس طربه. وفعلا تم للخليفة ما أمر به، غير أن حفيده الواثق أمر بإعادة النظر من جديد في هذه الأصوات المختارة، وهنا يأتي دور أديبنا أبي الفرج حيث يسهر بنفسه على تثبيت هذه الأغاني وتقييد كلماتها وألحانها وذكر أسماء ملحنيها وأسماء الشعراء الذين

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٠٨