تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأحاديث:2 «لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام واختطفت واسترقت، ولولا المعتزلة لهلك المتكلمون» وقال أيضا:3 «إلا أن كل من لم يكن متكلما حاذقا وكان عند العلماء قدوة وإماما فما اقرب إفساده المتعمد لإفسادهم».

وكان يسمى أهل الحديث الحشوية4 فقد أورد البغدادي بسنده أن أبا بكر بن داوود استأذنه عليه فاطلع عليه من خوخة فقال من هذا فقال: رجل من أصحاب الحديث، فقال ومتى عهدتني أقول بالحشوية الخ. كما كان ينعي عليهم إيراد الحديث بلفظ مقتضب عار عن سبب الورود وبيان العلة التي تهدي إلى المقصود منه كحديث النهي عن تسمية العنب كرمان كما كان ينتقد من الأحاديث ما لا تتفق معانيه مع الأصول العلمية الثابتة كحديث الإذن في قتل الوزغ، لأنه كان ينفخ على نار إبراهيم وكان لا يتفق مع سنن الكون كما ورد في الحجر الأسود أنه كان ابيض من اللبن فسودته خطايا المشركين، وربما انتقاده مقرونا بإبداء النكتة أم مشوبا بشيء من الظنز عادة له ألفها وملكة لا يقدر على إخفائها لا يقصد الاستهزاء بالحديث كما يلمزه خصومه ولكنه يرمي رواته بأنهم ليسوا من ذوي الدهاء والنكراء والنقد والتمحيص وإدراك ما يفند من المرويات وما لا كما هو رأيه الذي قرره في كتاب الحيوان.5 هذا ما أجج عليه صدور حزب أهل الحديث وشيعتهم ورموه، ولو رأيت كلام البغدادي فيه في كتاب الفرق بين الفرق وورميه بوابل من قدائف الشتم العريض لأدركت تحاملا واضحا وحقدا لائحا، كما أن ابن قتيبة في كتابه: «كال له بالمكيال الأوفى ونافع عن أهل الحديث وخنق صاحبنا حتى جحظت عيناه، وكأن هذه الأسباب التي شرحنا هي التي أثارت رميه بالزندقة وترك الصلاة سيما وراوي قصتها في وليمة حضرها هو ابن أبي الذيال المحدث بسرمن. رأى وحاله معهم كما قد سمعت، وابن أبي الذيال من معاصريه، ووراء هذا فإن الجاحظ ممن يروي الحديث كما علمتهم وهو عنده من أسس كتاب الحيوان فقد قال بجزء 6 ص 5: «ولم نذكر بحمد الله تعالى شيئا من هذه الغرائب وطريفة من هذه الطرائف إلا ومعها شاهد من كتاب منزل أو حديث مأثور أو خبر مستفيض أو شعر معروف أو مثل مضروب أو يكون مما يستشهد عليه الطبيب» الخ ... كلامه، وفي ج 2 ص 88 منه عن أبي إسحاق بلغني وأنا حدث أن النبي (ص) «نهى عن أختناث فم القربة والشرب منه». قال فكنت أقول أن لهذا الحديث لشانا وما في الشرب من فم قربة حتى يجيء هذا النهي حتى قيل أن رجلا شرب من فم قربة فوكعته حية فمات وأن الحياة تدخل في أفواه القرب علمت أن كل شيء لا أعرف تأويله من الحديث أن له مذهبا وأن جهلته.

والحافظ الذهبي صاحب الميزان يمقت أهل الكلام ولو كانوا من أهل السنة، ويرى أن ما هم عليه من الضلال وقد طعن لهذا السبب في الأشعري، الإمام والفخر الرازي والآمدي، ومعلوم مكانهم من العلم، والدين فكيف بالمعتزلة، أما رمي الجاحظ بالكذب فيظهر لنا أنه من الأمر البعيد وحاله من التثبت جلي وهذه كتبه بين أيدينا نتلمس منها علمه العتيد وندرك فيها شخصيته الجبارة لا نرى فيها أثرا للكذب والوضع، وقد قال فيه ابن حزم في الملل والنحل - ولسانه قرين سيف الحجاج -: «كان أحد المجان الضلال غلب عليه الهزل ومع ذلك فأنا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتا لها، وإن كان كثير الإيراد لكذب غيره». على أنه وإن حكى كذب غيره كر عليه بما يفنده فإن الرجل رائد الفكر بالنظر والتعليل لا يذعن إلا للأمر الواقع وقد نعى على من يتتابع في النقل ويلقى الكلام على عواهنه، فقال (ج 6ص5) وقد رأينا أقواما يدعون في كتبهم الغرائب الكثيرة، والأمور البديعة، ويخاطرون من أجل ذلك بمروءتهم، ويعرضون بأقدارهم، ويسلطون السفهاء على أعراضهم، ويجرون سوء الظن إلى إخبارهم، ويحكمون حساد النعم في كتبهم، ويمكنون لهم من مقاليدهم» الخ ...

وبعد فإني وإن كان هواي مع أهل الحديث فإنه يعز علي أن أتلقى ما يزهد في علم الجاحظ وفكره الفياض، فإن الرجل من أعلام الأدب العربي، ومن مفاخر الدولة العربية علما وتصنيفا ودقة إدراك وسعة علوم، وما كنت لا تتطاول إلى رميه بالكذب بله الزندقة والإلحاد من غير أن يكون لدي ما يثبت ذلك من القواطع السالمة من الفوادح. أما كلام أهل الحديث في رواية المبتدعة وأهل الأهواء فهو شهير، ومن اعد له ما عليه الحافظ بن حجر من أنه لا ينبغي رد كل مبتدع ولو كفروه ببدعته لأن كل

2) الجزء الرابع ص 86.

3) الجزء الأول ص 86.

4) نقل نحو هذا عن الصاحب أبي عباد الوزير الشهير اطلب لسان الميزان.

5) الجزء الرابع ص 97.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٠٦