الزلايجي وجمعه الزلايجية ويستعمل منها فعل زلج الرباعي المضعف وتصاريفه، فهل آن الأوان لتأخذ هذه الكلمة طريقها إلى المعجم العربي وتحل فيه محل الفيسفاء والقاشاني أو تقوم إلى جانبهما على الأقل اسما لهذا النوع المغربي الممتاز من مدلول تينك الكلمتين؟ ...
ومما ورد فيه كلمة الزليج نثرا هذه الفترة من وصف الافراني لقصر البديع الذي بناه المنصور الذهبي في مدينة مراكش بين سنتي 996هـ 1002، وذلك في كتابه نزهة الحادي، ص 94 طبع فاس ونصها: «وفيه من الرخام المجزع والمرمر الأبيض المفضض والأسود، وكل رخامة طلي رأسها بالذهب الذائب، وموه بالنضار الصافي، وفرشت أرضه بالرخام العجيب النحت الصافي البشرة، وجعل في أضعاف ذلك (الزليج) المتنوع التلوين حتى كأنه خمائل الزهر، أو برد موشى وتستر، من عمل صنعاء» وفقرة أخرى من نفس الصفحة في وصف الكتابة والنقوش التي كانت على جدران القصر وستوره وهي هذه: «وفيه من الأشعار المرقومة في الأستار والأبيات المنقوشة في الخشب (والزليج) والجبس ما يسر الناظر ويروق المتأمل ويبهر العقول» ونقل الناصري في الاستقصا نفس العبارات واصلها للكاتب الفشتالي في تاريخه مناهل الصفا.
أما في الشعر فقد جاء لفظ الزليج في عدة قصائد وأبيات، ونختار منها المقطعة الآتية للأديب إدريس بن علي السناني التي قالها في وصف روض لأحد الأكابر بفاس وهي تنشر لأول مرة:
روض يروق الناظرين بهيج *** سيان فيه الزهر والزليج
فكلاهما في بهجة وتنوع *** يحيي النفوس بحسنه ويهيج
إن جئته تبغي انتشاق أريجه *** وافاك دون الباب منه أريح
قد عربدت أشجاره بمدامة *** شبه اللجين يديرها الصهريج
والطير تشدو في الغصون بنغمة *** في شدوها التفريح والتفريج
نلنا به عند الصباح مسرة *** والغصن والخليج خليج
أبقاه ربي زاهرا في نضرة *** ما يمم الحرام الشريف حجيج
ونسجل هنا ورود كلمة الصهريج في هذه القطعة والأبيات الثلاثة السابقة التي ورد فيها ذكر البنيس ملاحظين كثرة استعمالها هنا لا في المغرب ودورانها على السنة العموم وتسمية أحواض مائية شهيرة بها كصهريج المنارة بمراكش الذي بناه عبد المومن الموحدي وكان يمرن فيه الجنود على العوم والتجذيف، وكمدرسة الصهريج بفاس وغيرها، في حين أننا قلما نعثر على استعمالها في الآثار الأدبية الشرقية، وفي الكتابات الوصفية التي يحررها أدباء الشرق ما عدا أثرا واحدا هو كتاب صهاريج اللؤلؤ للسيد توفيق البكري فهو الوحيد الذي استعمل هذه الكلمة من الكتاب الشرقيين فيما علمنا.
وما دمت قد ذكرت هذين اللفظين أو المصطلحين المستعملين في البناء وما إليه وهما الشرجب والزليج فيحلو لي أن أشير هنا إلى أني قرأت في كتاب المؤتمر الأول للمجامع اللغوية العلمية المنعقد في دمشق سنة 1956 نشر الإدارة الثقافية التابعة للجامعة العربية بحثا قيما للدكتور مصطفى جواد في وسائل النهوض باللغة العربية وتيسير قواعدها وكتابها، ومما جاء فيه عند الكلام على مصطلحات البناء نقله عن أساس البلاغة كلمة الحضرة للمصطلح المسمى بالفرنسية Matériaux أي مواد البناء من آجر وجير وغيرهما ملاحظا أن المجامع العربية لم تضع له مقابلان ونقله للمصطلح المذكور عن الزمخشري في محله، وإنما أريد أن أقول إننا هنا في المغرب نستعمل فيلا هذا المعنى كلمة (الانقاض) فتأتي في ألفاظ الموثقين وحسابات المقاولين وهي كلمة لا غبار عليها لأنها تسمية للشيء بما يؤول غليه على طريقة المجاز المرسل كقوله تعالى إني أراني أعصر خمرا في تسمية العصير بالخمر.
وفي هذا البحث العظيم الفائدة استشهد صاحبه الدكتور جواد على استعمال استلم بمعنى تسلم بنص لابن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون الشهيرة قائلا: «فهو مستعمل عند أدباء الأندلس منذ المائة السادسة من الهجرة في اقل اعتبار» وأضيف إلى هذا الشاهد شاهدا آخر يدل على أن أدباء المشرق قد عرفوا