في معناه الذي يدل على الانافة والسعة ويستصحب أيضا الدلالة على فخامة البناء وأناقته، ولا كذلك دلالة الطاقة في العرف المغربي فأحرى الكوة ...
وجاء في نفح الطيب تعريف للشرجب يكتنفه بعض الإبهام فربما ظهر غير منسجم مع ما ذكرنا من أن معناه هو النافذة. وذلك في الجزء الثاني في ترجمة أبي جعفر ابن سعيد، أثناء حكاية وقعت له مع بعض المجان وهو في نزهة بنهر اشبيلية ... ونص المقصود منها: «ولما وصل صحبة والده إلى اشبيلية افتتن بواديها، واعتكف على الخلاعة فيها، مصعدا ومنحدرا بين بساتينه ومنازهه. فمر ليلة بطريانة، فمال نحو منزه فيه طرب سمعه فاستوقفه هنالك. وهو في الزورق متكئ، وأصحابه وأصحاب أبيه مظهرون انحطاطهم عنه في المرتبة. فاخرج رأسه احد الأنذال المعتادين بالنادر من (شرجب) والشرجب هو الدرابزين من خشب فيه طاقات .. وطريانة مقابلة اشبيلية وبها المنازه والأبنية الحسنة ... » فتفسيره للشرجب بالدرابزين غير متوافق مع المعنى الذي ذكرناه له، ولكن ببعض الغيضاح يتطابق التفسير والمعنى المذكور ولا يبقى بينهما خلاف.
فابن سعيد الذي كان في نزهة على متن الوادي الكبير وبشاطئه الذي يلي حي طريانة خاصة، لما سمع الطرب توقف تحت المنزه الذي كان يوجد فيه المطربون، والنزه في التعارف مكان مرتفع كالعلية يشرف على البحر أو على الخلاء ونحوهما من المناظر الطبيعية الجملية .. فأخرج أحد الأنذال رأسه من شرجب في المنزه وجعل يتعاطى مع ابن سعيد فحش القول كما يفيده آخر الحكاية، فالمهم أنه اطل عليه من شرجب بل اخرج رأسه منه ولا يكون ذلك غلا من نافذة ... ولما كانت هذه النافذة ذات شباك يمتنع معه بروز الرأس حينما يطل الإنسان منه، قال إن فيه طاقات، والطاقة هنا بالمعنى المستعمل عند المغاربة على حسب ما اشرنا إليه آنفا أي النافذة. فيخرج من ذلك أن الشرجب نافذة ركب عليها شباك قد يكون بحيث يصح إخراج الرأس منه والنظر إلى الخارج بالأحرى. ففي عبارة النفح اقتصار، وهو الحذف من غير دليل أو اختصار وهو الحذف مع الدليل للعم به من السياق.
والواقع أننا كذلك نستعمل لفظ الشرجب في النافذة ذات الشباك، ويكون من حديد كما يكون من خشب. ولا كن ذلك ليس بلازم إذ قد يكون الشرجب خاليا من الشباك بال هو الأكثر.
ومن لطيف الأدب الوارد في الشباك قول عبد المومن بن علي خليفة للموحدين وكان هو ووزريه أبو جعفر لن عطية مارين ببعض طرق مراكش فأطلت عليهما جارية بديعة الجمال من شباك فقال:
قدت فؤادي من الشباك إذ نظرت
فأجاز وزيره أبو جعفر:
حوراء ترنو إلى العشاق بالمقل
ثم قال عبد المومن:
كأنما لحظها في قلب عاشقها
وأجاز أبو جعفر:
سيف المؤيد عبد المومن بن علي
ومما ورد في الشرجب من جميل الشعر قول المعتمد بن عباد، يخاطب الوزير ابن عمار:
إلا حي أوطاني (بشلب)، أبا بكر
وسهلن هل عهد الوصال كما أدري
وسلم على (قصر الشرابيب) من فتى
له أبدا شوق إلى ذلك القصر
قال الفتح في القلائد عقب هذين البيتين: «وقصر الشراجين هذا متناه في البهاء والإشراق، مباه لزوراء العراق ركضت فيه جياد باحاته، وأومضت بروق أمانيه في ساحاته، وجرى الدهر مطيعا بين بكوره وروحاته، أيام لم تحل عنه تمائمه، ولا خلت من أزاهر الشباب كمائمه الخ».
ولفظ آخر هو (الزليج) بكسر الم مع تشديدها ويعني الفسيفاء والقاشاني، هذين اللفظين اللذين يستعملان في الشرق العربي ولا نعرفها في المغرب. والأول ليس بعربي والثاني لعله منسوب إلى قاشان لصنعه فيها. أما لفظنا أصل في المادة اللغوية (زلج) ولعله أخذ منها. وفي القاموس: «والزلج بضمتين الصخور الملس» والمهم أن هذه الصنعة الدقيقة قديمة في المغرب والأندلس، ولا تزال حية ونشيطة فيه ولا اسم لها عندنا إلا الزليج، ويقال لصاحبها