تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمقصود من هذا كله أن لفظة البنيس وردت في هذه الأبيات مضافة إلى المداد، فتفيد أنها وعاء يستعمل للخمر وغيرها.

وفيما كنت أتذاكر قبل بضع سنوات مع الصديق المرحوم قاضي طنجة السيد محمد بن رحمون، أنشدني عفوا هذا البيت للشيخ المشرفي:

وما البنيس إلا إناء خمر

وبالتحقيق قد وجب انكساره

فتلقت منه هذا البيت بلهفة، غذ حدد فيه معنى البنيس وشرحه شرحا لغويا معجميا كما لو كان يعرف ما في نفسي من أمر اللفظة فشفى غلتي وأزال حيرتي. على أن البيت لم يقصد لشرح المعنى اللغوي لكلمة

بنيس وإنما هو هجاء لشخص من ءال بنيس، وهم أسرة مغربية معروفة اشتهرت بهذا الاسم واصلها من مدينة فاس. فاغتنم قائله هذا الاشتراك اللفظي بينه وبين البنيس بمعنى إناء الخمر فورى به، وحكم حكما شرعيا بوجوب كسره فبلغ قصده من الهجاء وأفادنا رحمه الله1 هذه الفائدة الجلى.

وفي هذه الأيام بينما كنت أطالع كتاب المدارك للقاضي عياض، نسخة خطية خاصة، غذ وقفت في ترجمته للقاضي احمد بن بقى بن مخلد على هذه الحكاية:

«وذكر أنه كان في مجلس نظره، وقد غص بالفقهاء والعدول والخصم، حتى دخل عليه المعتوه المعروف بابن شمس الضحى، وكان من ذوي البيوتات والثروة. فقال يا قاضي المسلمين أريد أن تأمر وكيل فلان2 يزرع لي بقريتي (بنانيس) فتنبث لي خوابي فاحصل على ربحي. فما بقي أحد في المجلس الاضحك سوى القاضي، فإنه وجم واستعبر وقال: يا بني: لقد ظلمك من ألقى هذا على لسانك. ثم قال لأهل مجلسه: وا أسفا على سخريتكم وضحككم منه. إن لله وإنا إليه راجعون على قلة التحصيل وعزوب العقول. فإن البكاء على هذا أولى وأليق، فما بيننا وبين زوال العافية إلا الذهول عن شكرها. اللهم أسدل علينا سترها3 وأحفظ عقولنا لمعرفتك، وارزقنا ذرية طيبة صالحة زكية تقر أعيننا بها. فاستحيى من حضر».

فاستفد منها زيادة على مغزاها الخلقي الذي أشار له القاضي ابن مخلد ولأجله أورد عياض الحكاية، إن البنيس إناء من فخار ولذلك جعله المعتوه صاحب الحكاية بذرة للخابية. والخابية من الفخار معروفة، كما استفدت أنهم كانوا يجمعونه على بنانيس ولم يبق حينئذ حول هذه اللفظة أدنى شيء من الإبهام. فهي تطلق على إناء صغير يصنع من الفخار كالحجر والحب والخابية، ويغلب استعماله للخمر وإن كان قد يستعمل لغيرها من المائعات كالمداد على ما رأيت. وكانت هذه اللفظة من الدارج على السنة أهل الأندلس ولا نعرف ما إذا كان أصلها اسبانيا، على أننا بحثنا عنها فيما عندنا من المعاجم الاسبانية فلم نجدها. أما في المغرب فلم تجر 'لا على السنة أهل الأدب مما يدل على اقتباسها من الأشعار الأندلسية.

وبخلاف البنيس، لفظ (الشرجب) وجمعه شراجب، وقد يقولون شرجم بالميم كما يقولون في رجب رجمن وهي لغة، فهذا اللفظ مما يجري على الألسنة هنا في المغرب كثيرا كما كان جاريا على السنة أهل الأندلس وربما ورد في أشعارهم. وهو يعني ما يسمى الآن في هندسة المباني بالنافذة Le guichet, La fenêtre وفي نظري هو أدل منها على المعنى المراد فإن النافذة أعم من الشرجب والطاقة والكوة وحتى الباب وغيرها مما يقع منه النفوذ، ولولا أن الاستعمال خصصها حديثا بما ذكر لما فهم المراد منها. وذكرى للطاقة هنا إنما هو باعتبار الاستعمال المغربي لها في معنى النافذة، وربما كان استعمالا أندلسيا أيضا وهم يجمعونها على طيقان وطاقات. ومعلوم أن مدلول الطاق وجمعه الطيقات في اللغة، هو ما عقد من الأبنية بابا أو نافذة أو غيرها فلعلهم بعد ما استعملوه في النافذة خصوه بها ثم أنثوه بالتاء وإن اشتبه بالطاقة بمعنى القدرة لكن السياق يعينه. ومع هذا يبقى لفظ الشرجب متمكنا

1) الشيخ محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي صاحب البيت المذكور من علماء المغرب في الثلث الأول من هذا القرن، اشتهر بكتابه الدر المكنون في ترجمة الشيخ محمد كنون وهو مطبوع بفاس وبكتابه إظهار العقوق في منع التوسل بالنبي والولي الصدوق، طبع بمصر. وكان يتعاطى الأدب وولى القضاء ببعض نواحي فاس مدة.

2) كذا بالأصل ولعلها وكيلي فلانا.

3) لعل الصواب سترك.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٠١