تخفيف الضوائق العامة والخاصة، يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه وءاله يخاطب جمعا من الصحابة الكرام:
«من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان فضل زاد فليعد به على من لا زاد له».
قال راوي الحديث جابر بن عبد الله: «فذكر أصنافا من المال، حتى راينا أن لاحق لأحد منا في فضل»
فهذا الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري يأمر بمعونة المحتاجين بكل أنواع الإعانات: بالمركوب بالزاد بكل أصناف المال، وهو أصل كبير في وجوب مواساة المصابين في الأزمات والكوارث المهلكة، مثل واقع المغرب في «زلزال اكادير».
وقد شرح كثير من مشترعي الإسلام هذا الأصل شروحا وضحت معنى المعاونة الشعبية المطلوبة، فالمازري في شرح هذا الحديث: يصدع بأن الأمر الوارد فيه ليس قاصرا على عصر النبوة، وإنما هو أمر وجوب إلى يوم القيامة، وعياض يشرحه في العبارات التالية: تجب المواسات عند الحاجة في كل شيء من مال أو إعانة في عمل أو غير ذلك، وما أحسن كلام ابن حزم في شرح هذا المعنى، قال في كتابه المحلى:
«وفرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا فيء سائر أموال المسلمين فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف والشمس، وعيون المارة».
ومن كلام ابن العربي المعافري في هذا الموضوع: «لا يحل للأغنياء أن يهملوا الفقراء، بل يغنوهم مما في أيديهم. إلا ترى انه لو سرق مال رجل أو غضب لتعين على الناس اغناؤه وجبر ما ذهب له مما يغني مفاقره، ويجبر مكاسره». فهذه النصوص نخرج منها بالخلاصة التالية: في حال ما إذا خيف الضياع على المنكوبين، يكون واجبا على الموسرين من الشعوب الإسلامية في كل عصر وزمان، أن يقوموا بمواساة منكوبيهم: بالإعانة في الأعمال، وبما يجب لهم من القوت واللباس والمسكن الصحي، وبسائر أنواع المعونات.
وبعد هذا يحسن أن أشير إلى أن هذا المبدأ قد نفذ عمليا حينا من الزمن في عصر النبوة وبعض العصور بعده فقد أراد النبي صلوات الله وسلامه عليه وءاله الغزو مرة فقال: «يا معشر المهاجرين والأنصار أن من إخوانكم من ليس له مال ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة» قال جابر بن عبد الله راوي الحديث فضممت إلي اثنين أو ثلاثة ومالي إلا عقبة كعقبة أحدهم من جملي.
ولم تكن قضية جابر - رضوان الله عليه - هي الوحيدة التي تطبق فيها هذا المبدأ، وإنما هناك وقائع أخرى عديدة سار فيها سادات الأمة على هذا الصراط السوي.
فقد أثنى الرسول - صلوات الله وسلامه عليه وءاله - على الاشعريين فقال أنهم إذا أرملوا في الغزو - نفذ زادهم وافتقروا- جمعوا زادهم وتواسوا فيه، هم مني وأنا منهم.
وجعل الخليفة - عام الرمادة - على كل شخص مثله وقال لن يهلك احد على نصف شبعه.
وفي المحلى: صح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة أن زادهم فني فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا ازوادهم في مزودين، وجعل يقويهم إياها على السواء.
هكذا كان الشعور بواجب المواساة عند الحاجات سائدا في العصور الإسلامية الأولى، على أننا لا نعدم في العصور الأخرى أفرادا- وإن كانوا قلائل - يدعون لإحياء هذه الروح الإنسانية، ويعملون بها في خاصة نفسهم، ومن بين هؤلاء نجد ابن العربي المعافري الاشبيلي دفين فاس، فقد قال في بعض كلام له:
«إذا نزلت جائحة من القحط فلا خلاف بين الأمة إنه ترجع حقوق المحتاجين في رقاب أموال الأغنياء، وعليهم أن يعطوهم كفايتهم ويقتسموهم على قدر أموالهم - وقد كنت في أعوام المجاعة ادعوا الأغنياء والولاة إلى ذلك فيابون علي، لان الله أبى عليهم أن يفلحوا - فكنت ارجع على تقدير الأغنياء والمساكين فآخذ من جملتهم قدر ما يمكن أن يلزمني على التقسيط فامضهم إلى نفسي».
ولا نعدم بعد ابن العربي أفرادا آخرين تشع في نفوسهم هذه الروح الإسلامية فقد نقل عن أبي حامد العربي بن احمد القشتالي الفاسي المتوفى عام 1092: إنه كان يسلك مسلك ابن العربي أثناء مجاعة عرضت في وقته.