تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتضر بمصلحتها الثابتة لأنها تهدم التوازن الذي عليه قوام الأعمال البشرية فيما بينها، ولأنها بتنمية عدد المنتجين غير المباشرين على عدد المنتجين المباشرين تقوض بيدها ركن بنائها أي تهدمه، انتهى).

فما هي الأسباب الخداعة التي تخرج أبناء الزراعة عن أفقهم - التي يشير إليها مؤلف الموجز - في مغربنا؟ وهل يمكن معالجة هذه الأسباب. إن من أهم أسباب هذه الهجرة بالنسبة للشباب هذا الانحلال الأخلاقي الذي عم المدن، حيث ينساقون ووراء شهواتهم دون أي رادع، مع عدم التربية الأخلاقية التي تحيى بها ضمائر القوم فتجعلهم محافظين على المروءة والعفة، فالواجب لدرء هذا الانحلال هو تعميم التربية الدينية ليقل الإجرام والفجور وكل أنواع الفساد.

ومن الأسباب العامة عدم تزويد القرى بوسائل الحياة المدنية حتى يجد الراغبون في هذه الحياة كفايتهم منها في القرى.

ومن ذلك، وهو ما يتصل بموضوعنا، هذا التضييق عليهم في استغلال المرافق القروية كالمنع من المراعي في الغابات، ومنعهم من صنع الفحم منها، ومن أخذ بعض الأخشاب منها لخصوص تسقيف البيوت لأنفسهم أو لإيواء ماشيتهم وحيواناتهم، مع أن المرافق مرافقهم والغابة كانت لهم قبل كل أحد. ففي صحيح البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب فيبيعها يكف بها وجهه خير له من أن يسال الناس أعطوه أو منعوه.

فإذا اضطره الحال وجاء بالحبل على ظهره ليحتطب من الغابة ماذا يقول له؟ نقول له أن تشريع الاستعمار منعك من العمل الذي إذن لك فيه الرسول عليه السلام، هذا ما لا يجوز.

إن الشارع الإسلامي رأى أن الضعفاء يستحقون المساعدة ورفع الكلف عنهم لأن نقل الحطب أو صنع الفحم لا يباشرهما إلا محتاج، إذ هما من الأشغال الشاقة. وإذا كانت العدالة عند اقتصاصها من المجرمين تحكم عليهم بالأشغال الشاقة مدة معينة محدودة، فماذا عسى أن تطلب التشريعات ممن اضطرتهم ظروف حياتهم لمزاولة هذه الأشغال عن طواعية واختيار؟ وكثير من هؤلاء رجالا ونساء يحملون الفحم إلى المدن على ظهورهم، فهؤلاء إخواننا في الإنسانية يجب أن نرفق بهم، ولا نشدد عليهم، ولا نجعل الغابة بينهم كأنها ناقة صالح بين قومه، فنقول لهم في تشريعنا لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.

ثم أننا ينبغي أن نكون منطقيين مع أنفسنا، فإذا كانت الحكومة توزع أراضي هي ملك لها على الفلاحين المحتاجين، وتبني القرى النموذجية من ميزانية الدولة، وتدفعها لمن يسكنها بتقسيط في دفع ثمنها لأجل طويل، أفلا يجمل بالحكومة التي هذه صفتها أن ترفق بالمجاورين للغابات، فتساعد ضعفائهم بالسماح لماشيتهم المحدودة بالرعي في الغابة، وتساعدهم كذلك ببعض الأخشاب إذا اشتدت حاجة ضعفائهم إليها، وتتركهم يلتقطون الحطب لصنع الفحم حتى يطمئنوا على السكنى في قراهم، ويقللوا من الهجرة إلى المدن، فتخف لذلك أزمة البطالة والسكنى بها، وتحيي البوادي وتزدهر بسكانها الأوفياء، وتعرف من جديد حياة الاستقرار، ولا تشكو الفراغ الذي تشكوه الآن.

وقد اعتبر رسول الإسلام الناس شركاء في ثلاثة: الكلأ والماء والنار، فالكلأ النبات رطبا كان أو يابسا، وإباحته موضع إجماع في الأرض المباحة والجبال التي لم يحرثها أحد إلا ما حماه أي منعه الإمام أي أمير المؤمنين لمصلحة كما سيأتي، ويحرم منع المياه المجتمعة من الأمطار في ارض مباحة أي غير مملوكة لأحد، وأنه ليس أحدا أحق بها من أحد إلا لقرب أرضه منها، وكذلك إذا كانت في ارض مملوكة لابد لصاحب الأرض أن يرسل الفاضل بعد كفايته منها، وإنما يسوغ له أن يقدم في الانتفاع، وأما النار فقيل المراد بها الحطب الذي يحطبه الناس، وقيل الاستصباح بها وقيل النار حقيقة، وإن كانت من حطب مملوك فقيل حكمها حكم أصلها، وقيل يدخلها الخلاف الذي في الماء، وذلك لعموم الحاجة وتسامح في ذلك. أما حماية الإمام للمراعي فقد روى البخاري عن الرسول (لا حمى إلا الله ورسوله) والظاهر أن من قام مقام الرسول يحمي بعض المراعي للمصلحة العامة، كما حمى عمر بن الخطاب الربذة لإبل الصدقة، وكذلك حمى موضوعا يسمى الشرف، ولكنه في الواقع لم يحم المراعي المذكورة من رعي الضعفاء، بل أوصى بهم وكانت حمايته ومنعه للمراعي من الأغنياء فقط، على عكس ما كان الاستعمار ويحمي الغابات والمراعي من الضعفاء، ويدفعها للرأسمالية الطاغية تستغلها. فروى أبو عبيد وابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن اسلم أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يسمى هنيا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢٧٥