دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 .................. ص 64
المدخل إلى كتاب الحيوان
للعلامة المرحوم محمد السايح
-2 -
من نقد الجاحظ
بعد ما حكي على أسنة أهل الهند أن ولد الكركدن إذا دنا وضعه أخرج رأسه من بطن أمه فأكل ما أطراف الشجر فإذا شبع أدخل رأسه قال: ولن العجب كل العجب ما ذكروا من إخراج ولد الكركدن رأسه واعتلافه ثم إدخالها بعد الشبع والبطنة ولابد أكرمك الله لما أكل من نجو فإن بقي الولد يأكل ولا يروث فهذا عجب وإن كان يروث في جوفها فهذا أعجب وإنما جعلناه يروث حيث سموه حمارا وهذا مما ينبغي لنا أن نذكره في خصال الخصال إذا بلغ ذلك الباب، ولا أقر أن الولد يخرج رأسه من بطن أمه حتى يأكل شبعه ثم يدخل رأسه ولست أراه محالا ولا ممتنعا في القدرة ولا في الطبيعة وأرى جوازه مرهوبا غير مستحيل إلا أن قلبي ليس بقلبه وليس في كونه ظلم ولا عيب ولا خطأ ولا تقصير في شيء من الصفات المحمودة ولم نجد القرآن ينكره والإجماع يدفعه والله هو القادر دون خلقه ولست أبت بإنكاره وان كان قلبي شديد الميل إلى رده وهذا مما لا يعلمه الناس بالقياس ولا يعرف إلا بالعيان الباهر والخبر المتظاهر. ولما نقل عن صاحب المنطق نبأ الطائر الذي يجلب الدار صيني ليفرش به عشه تلكأ في قوله وقال: لا أعرف الوجه في أن طائرا ينهض من وكره في الجبال أو بفارس أو باليمن فيؤم ويعمد نحو بلاد الدار صيني وهو لم يجاوز موضعه ولا قرب منه وليس يخلو هذا الطائر من أن يكون من الأوابد وإن كان من القواطع فكيف يقطع الصحيحان الأملس وبطون الأدوية والهضاب والجبال بالتدويم في الأجواء وبالمضي على السمت لطلب ما لم يره ولم يشمه ولم يذقه وأخرى فإنه يجلب بمنقاره ورجليه ما يصير فراشا له ومهادا إلا باختلاف الطويل وليس بالوطيء الوثير ولا هو له بطعام وغن كنت لا أعرف العلة فلست أنكر الأمور من هذه الجهة.
نظرية المعرفة عند الجاحظ
أي من أين جاءت على الإنسان هذه المعلومات وهذه المعارف التي تموج بين ثنايا ذهنه، الجاحظ يرى أن المعارف ضرورية طباع وليس شيء منها من أفعال العباد وليس للعبد سوى الإرادة، وقضية المعرفة من أهم القضايا الفلسفية ولهم فيها سبح طويل ويتخلص ذلك في مذاهب ثلاث أولها مذهب (لوك) وهو يرى أن جميع المعلومات إنما يتصل بها الذهن بواسطة الحواس وأن الطفل في أول وجوده يكون ذهنه كصحيفة بيضاء نقية ساذجة ثم ينتقش فيها ما تنقله إليه الحواس. ثانيها مذهب (ديكارت) وهو يرى أن المعرف فطرية وان الطفل يبرز إلى عالم الشهادة مطبوعا ببعض الآراء التي لا يمكن أن يكتسبها بالتجربة ولكن الفيلسوف (لبنيز) قرب بين المذهبين وجمع بينهما، وحاصل رأيه وهو الرأي الثالث أن الطفل يولد ومعه معرفة كامنة فيه إلا أنها لا تصل إلى درجة الشعور إلا إذا أيقظتها التجارب التي تنفذ إليها عن طريق الحواس، وقد قال الجاحظ في كتاب الحيوان عن الله تعالى ما أعطى الإنسان العقل غلا للاعتبار والتفكير وما أعطاه المعرفة ألا ليوثر الحق على هواه وما أعطاه الاستطاعة إلا الإلزام الحجة، ولذا يلوح لنا أن مذهبه قريب من مذهبه ديكارت.
مذهب الشك عند الجاحظ
الجاحظ بعلمك ان تشك لتستيقن كالفيسلوف ديكارت ولذا فهو وشيخه النظام المفتطران لهذا المذهب قبل ديكارت بعدة قرون. وإليك نص كلامه ف يذلك وبعد هذا فأعرف مواضع الشك وحالاتها الموجبة لها لتعرف بها مواضع الشك وحالاتها الموجبة لها لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له وتعلم الشك في المشكوك فيه تعلما، فلو لم يكن ذلك إلا لتعرف التوقف ثم التثبت لقد كان ذلك مما يحتاج إليه، ثم أعلم أن الشك في طبقات عند جميعهم ولم يجمعوا على أن