تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرحلات وما يراه الباحث فيها رؤية العين، ومن المؤلفات التي تعالج الموضوع المدروس، وهذه القواعد بالذات هي التي يتبعها اليوم الباحث الاجتماعي.

ويفرد ابن خلدون جزءا كبيرا من مقدمته لدراسة فروع العلم الجديد فيقول في مستهل هذه الدراسة: «ونحن الآن نبين في هذا الكتاب ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال للعمران في الملك والكسب والعلوم والصنائع، بوجوه برهانية يتضح بها التحقيق في معارفه الخاصة والعامة ويندفع بها الأوهام وترفع الشكوك ... » واستوعبت فصول هذه الدراسة كل فروع علم الاجتماع المعروفة عند الاجتماعيين المحدثين وهي على التوالي في العمران البشري وأصنافه، وفي العمران البدوي والأمم الوحشية وفي الدول والخلافة والملك، وفي العمران الحضري والبلاد والأمصار، وفي الصنائع والمعاش والكسب، وفي العلوم واكتسابها وتعلمها، وهي تقابل عند المحدثين علم الاجتماع العام والنفسي، والاجتماع البشري وعلم الانثروبولوجيا والاجتماع الثقافي والاجتماع السياسي، والاجتماع الحضري والريفي والاجتماع الاقتصادي، وأخيرا الاجتماع اللغوي والديني والتربوي على الترتيب.

والمجتمع الإنساني -فيما يرى ابن خلدون- ضروري للإنسان لأن الإنسان مدني بالطبع (1) والنظم الاجتماعية تتغير من مجتمع لآخر، وفي نفس المجتمع تختلف من فترة لأخرى وفق ما يكتنف المجتمع من عوامل تضارسية ومناخية وثقافية، ويسهب ابن خلدون في بيان تأثير هذه العوامل على المجتمع والفرد سواء في النواحي الجسمية والعقلية. ثم يبرز بعد ذلك فكرة التطور الاجتماعي مستخرجا من دراساته للمجتمعات (2) قانون الهام عن التطور الاجتماعي الذي يعتبر فيما يرى معظم العلماء أول بحث جدي في فلسفة التاريخ.

يقول ابن خلدون أن المجتمع البشري شأنه شأن الفرد الذي يمر بمراحل منذ ولادته حتى وفاته، وأن للدول أعمارا كالأشخاص سواء بسواء ...

تلك هي بعض النماذج الهامة التي أسهم بها ابن خلدون في الفكر الاجتماعي ولذلك يعتبر أبا علم الاجتماع وأول من صاغ فلسفة التاريخ، ذلك أن ابن خلدون يعرض كل هذه النظريات مع التدليل بأدلة تاريخية واجتماعية ونفسية من جميع المجتمعات التي كانت معروفة في عصره سواء في ذلك المجتمعات القديمة أو المعاصرة له ... وكان المفكر العظيم يلجأ إلى ضرب الأمثلة لتقريب نظرياته الجديدة إلى الافهام.

تلك هي خلاصة ما قدمه أجدادنا للعالم ولأوروبا بالذات من معارف ونظريات عن المجتمع والحياة الاجتماعية هادفين من ذلك أخيرا إلى إسعاد البشر، وتكفينا هذه الخلافة لنتيقن من أن علماء القرنين السابع عشر والثامن عشر من أمثال روسو ومنتسكيو وفولتير قد تأثروا بأفكار آبائنا واستعانوا بها في نهضتهم الاجتماعية ... وإلا فكيف يمكن تفسير هذا التشابه الداعي إلى الدهشة بين أفكار أولائك وهؤلاء.

إن الموازنة بين آراء ابن خلدون وآراء متنسكيو وفولتير وأمثالهما تجعلنا نتساءل عما إذا كان هؤلاء العلماء قد تأثروا بابن خلدون، إن ذلك ليس بمستبعد لاسيما وقد انتقل أثر الفلسفة والفكر العربيين إلى العالم الأوروبي عن طريق المغرب وبلاد الأندلس وهي البقاع التي ألف فيها ابن خلدون مقدمته وإذا كانت البحوث التاريخية لم تصل بعد إلى اكتشاف ترجمة للمقدمة تسمح لنا بالتأكد من تأثر منتسكيو وأمثاله بابن خلدون فإن الصلات بين أوروبا والعالم العربي عن طريق المغرب والأندلس كانت وثيقة في عصر ابن خلدون والعصور اللاحقة عليه مباشرة وهي صلات سياسية وأدبية وثقافية ودينية، بحيث لا يستبعد أن يكون التأثير قد انتقل عن طريق أشخاص أو سفراء أو رجال دين انتقلوا من الأندلس إلى أوروبا أو قد تكون بعض ترجمات المقدمة في هذا العصر قد فقدت ولم تصل إلينا، على كل حال إذا ثبت وجود مثل هذه الترجمات فإن ابن خلدون على الخصوص يكون قد أثر في الفكر الاجتماعي الأوروبي كله.

(1) إن شريعة الحياة في الكائنات كما أوضح داروين في مذهبه عن التطور هي التنازع على البقاء وبقاء الأصلح. ينسب الماديون أفعال الخالق إلى الطبيعة تضليلا لاتباعهم فإن كانت هذه الطبيعة خالقة مدبرة حكيمة فهذا صنع الله والواجب أن يسمى بأسمائه الحسنى وفي نفس مقال الأستاذ بيير بوتي في هذا الصدد ما يرد هذا الخطأ على قائله. وقد سجلت الطبيعة كل كائن من مخلوقاتها بسلاح يخوض به معركة الحياة، من قوة بدنية خارقة أو سرعة فائقة أو أنياب حادة أو أظلاف جارحة أو قدرة على التلون أو التخفي إلى غير ذلك. أما الإنسان فلم يزود بشيء من هذا القبيل من القوى المادية ولكن وجد قوته وملاذه في العيش مع بني نوعه في جماعة، إلا أن الإنسان يسمو سموا بينا على غيره من أنواع الحيوان الذي يعيش في قطيع ولو اقتصرت الطبيعة على ذلك ما قدر للإنسان الوجود ولكنها منحته الاستعداد الفطري للاندماج في الجماعة لا مجرد الدخول في إطارها هذا الاستعداد للاندماج في الجماعة هو الغريزة الاجتماعية.

(2) وهنا تمكن الروح العلمية التي تميز ابن خلدون فهو قد استخلص قانونه التطوري من الوقائع الاجتماعية في المجتمعات المختلفة وفي ذلك يقول «واعتبر ذلك في الدول التي أخبارها في الصحف لديك، تجد ما قلته لك من ذلك صحيحا من غير ريبة» المقدمة ص 82.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢٢١