تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اليقين طبقات في القوة والضعف وممات قال أبو الجهم للمكي: أنا لا أكاد أشك. قال المكي: وأنا لا أكاد أوقن، ففخر عليه المكي بالشك في مواضع اليقين، وقال أبو إسحاق نازعت الملحدين والشكاك فوجدت الشكاك أبصر بجواهر الكلام من أصحاب الجحود، وقال أبو إسحاق الشاك أقرب إليك من الجاحد ولم يكن يقين قط حتى صار فيه شك ولم ينتقل احد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك انظر بقيته ... وقد ذكر هذه النظرية أيضا الغزالي بعد الجاحظ يعلم هذا من تصدير رسالة (حي بن يقظان) هذا ولست أقول: أن ديكارت انتحل هذا الرأي، وإنما الذي أقول أن الجاحظ أدرك هذا الرأي قبل ديكارت وإلا فإن ديكارت بين المنهج الذي هداه إل هذه النظرية بوضوح تام، وقد كنت أسست رسالة وعنونتها بطريف الخبر في رد مبادئ ديكارت إلى رأي من غبر، أوردت فيها المبادئ المنطقية الكثيرة كما أوضح ذلك في كتابه المنهج كما أوردت رأيه في نظرية الخلق المستمر (أو قل تجدد الجواهر) التي قررها الحاتمي في فصوصه ولا سيما في الفص السليماني (1) وقد كان ديكارت إذا ذكر له ما ينسب له معاصره من الانتحال بين المنهج الذي اهتدى به على تلك النظرية والطريق التي أفضت به إليها.

التثبت في النظر وتخليصه من الألف للوصول إلى الحقيقة أو قل المذهب التجريبي

قال وأنا زاعم أن الناس يحتاجون بديا على طبيعة ثم إلى معرفة ثم إلى إنصاف وأول ما ينبغي أن يبتدئ به صاحب الإنصاف أمره أن لا يعطي نفسه فوق حقها وأن لا يضعها دون مكانها وان يتحفظ من شيئين فإن نجاته لا تتم إلا بالتحفظ منهما احدهما تهمة الألف والأخرى تهمة السابق إلى القلب وذكر بص 100 ج 5 أن داء المنشا والتقليد داء لا يحسن علاجه جالينوس وبص 144 ج 4 أثر التقليد (2) والعادة في العقيدة، ونحن إذا أمعنا النظر في هذه الخطة التي وضعها الجاحظ أساس للتفكير الصحيح لمعت لنا منه عناصر المذهب التجريبي (3) الذي يزعمون أن الفيلسوف بيكون الانجليزي هو ممهد أصوله، ولو درسنا الأوهام الربعة التي قرر بيكون وهي: أوهام الجنس، وأوهام الكهف، وأوهام السوق، وأوهام المسرح، وقابلناها بما نصح الجاحظ بوجوب التحفظ منه لتجلى لنا أنه أول فيلسوف أو من أول الفلاسفة الذي رموا إلى تلك الأهداف فإن في آراء شيخه النظام بعضا من تلك العناصر.

العالم المصيب في نظر الجاحظ

العالم في نظره هو الذي يجمع بين الدين والفلسفة، فقد قال: والعالم عندنا هو الذي يجمعهما أي الدين والفلسفة والمصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال.

أما الجمع بين الدين والفلسفة فقد حاوله غير واحد من فلاسفة الإسلام فيهم ابن رشد في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» وابن الطفيل في رسالة حي بن يقظان والفخر الرازي وغيرهم، وأعظم فيلسوف حاول أصول العقائد إلى علم الفلسفة هو ابن سينا، قال وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره، وممن تصدى لذلك وأفرغ له عجب معارفه أصحاب رسائل إخوان الصفا.

وقد ذكرت في محاضرة الراوي، أن هذه المحاولة من الأعمال العقيمة فإن ما كان ثابتا ثبوتا يقينا لا يمكن أن يتصادم مع الدين بحال وما كان من حيز الآراء والظنون التي قد تطفو اليوم وترسب الغد لا معنى بمقارنته بما هو ثابت دينيا لاسيما ووجهة الدين غير وجهة الفلسفة، فهذه مسألة الأفلاك وما ارتأى اليونانيون في حقائقها وإثبات النفوس لها أصبح ذلك كله من الأوهام والخيالات في نظر العلم الصحيح على أن حملة معارفهم في الهيئة أصبحت اليوم كهباء منثور في زوايا العلم، والاحظ بالخصوص على رسائل إخوان الصفا فقد اشتملت على فلسفة فيثاغورس التي هي أرك المذاهب الفلسفية وأرذلها.

(1) قد كان هذا الرأي معروفا عند بعض حكماء اليونان فانظر في كتاب: القصة اليونانية.

(2) في كتاب علم الاجتماع تأليف نقولا الحداد مبحث مهم في تأثير التقاليد في النفوس انظر ص 118 ج 2 منه.

(3) هكذا ينسبونه إلى التجربة مشبها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢٢٣