تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

برسالة منظمة الأمم المتحدة (1) ... فلم يقتصر على تنظيم مدينة ضيقة كأفلاطون وغيره بل فكر في اتحاد الأمم كلها (2).

إن الفارابي يرى أن السعادة ممكنة على وجه الأرض «إذا تعاون المجتمع على نيلها بالأعمال الفاضلة ... إن كل مدينة يمكن أن تنال بها السعادة، ولكن اكمل اجتماع إنساني هو الاجتماع الذي يشتمل على جميع أمم الأرض، وأحسن دولة تنال بها السعادة هي الدولة الكبرى».

ويرتفع الفكر الاجتماعي الإسلامي إلى الذروة على يد العالم العظيم عبد الرحمن ابن خلدون، وكفى ابن خلدون فخرا أن يكون أول من قام بإنشاء علم الاجتماع على أسس وضعية سليمة، لا تكاد تختلف عن الأسس التي قام عليها في العصور الحديثة، كما يعتبر ابن خلدون أول مؤسس حقيقي لفلسفة التاريخ. لذلك كان هذا العالم المغربي الكبير أحق منا بالوقوف على جهوده الجبارة في ميدان العلوم الاجتماعية وان كان هذا البحث لا يتسع طبعا لذكر فضله كله على تلك العلوم، وهو الأمر نفسه الذي حدا بنا أيضا إلى عدم الإشارة إلى تلك الأعمال الرائعة التي قام بها عدد من العلماء المسلمين مثل: ابن مسكويه وابن باجة وابن طفيل الأندلسي صاحب رواية «حي بن يقظان».

تعتبر مقدمة ابن خلدون في التاريخ أهم مؤلفاته التي كان لها صدى عميق وتأثير علمي ضخم. وفي هذا الكتاب القيم يبسط ابن خلدون فكره الأصيل في إنشاء علم الاجتماع ونظريته في فلسفة التاريخ، وهذه الدراسة هي التي اسهمت فيما بعد على ما يبدو في تشكيل كثير من النظريات لعلماء الاجتماع في أوروبا.

وتمخض فكر ابن خلدون عن هذه الأفكار الطريفة عند دراساته لمؤلفات التاريخ للعلماء السابقين عليه مثل ابن اسحاق والطبري والمسعودي وغيرهم، ووجد من دراساته هذه أن كتب التاريخ مليئة بالأخطاء التي لا يستطيع مفكر أن يكابر فيها (3).

ودعا ذلك الرجل إلى البحث عن الأسباب التي تقود المؤرخين إلى الوقوع في الخطأ في كتاباتهم، وقد هداه فكره الجبار إلى أهم تلك الأسباب ألا وهو «الجهل بطبائع الأحوال والعمران، فإن كل حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته، وفيما يعرض له من أحواله، فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تميز الصدق من الكذب، وهذا ابلغ في التمحيص من كل وجه يعرض» فالسبب الأكبر إذن في أخطاء التاريخ أن المؤرخ يجهل طبيعة النظم الاجتماعية، والقواعد التي تخضع لها هذه النظم، ومن هنا كان لا بد من تخصيص علم لدراسة العمران أو الاجتماع يدرسه المؤرخ قبل أن يبدأ عمله حتى يتنكب الوقوف في الأخطاء. وهكذا نجد ابن خلدون قد توصل إلى إنشاء علم الاجتماع وهو بصدد البحث عن علاج لمشكلة الخطأ في التاريخ وهو هنا يشبه أوكوست كونت مؤسس علم الاجتماع عند الأوروبيين الذي توصل إلى إنشاء هذا العلم وهو يحاول الوصول إلى حلول للمشكلات السياسية والاجتماعية التي أحاطت بأوروبا في عصره.

ويحدد ابن بخلدون موضوع علمه الجديد بقوله: «ان ننظر في الاجتماع وهو العمران، ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضا لا يعتد به وما يمكن أن يعرض له .. وكأن هذا علم مستقل بنفسه فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أو عقليا» ثم يرسم ابن خلدون المنهج الذي يتبع في هذا العلم وهو استخدام القواعد المنطقية «وقياس الغائب بالشاهد والحاضر بالذاهب» (4)، والاستقراء، مع الإفادة من

(1) يقول الدكتور أحمد محمد خليفة مدير المعهد القومي للبحوث الجنائية بالقاهرة في هذا الصدد: « .. ونحن نرى أن الشرائع المنسوبة للوحي الإلهي يغلب عليها الجمود عادة اذ لا تتسع لكل التفصيلات التي يستلزمها التطبيق والتغير الاجتماعي، ولكن الشريعة الإسلامية تمتاز بالمرونة التي أدت إلى ظهور ثروة فقهية هائلة تسمح برعاية ما يخلقه التطور الاجتماعي من اعتبارات».

(2) في رأيي أن رسالة هيأة الأمم المتحدة هي (تمدين) العلاقات بين الدول، تلك العلاقات التي تقوم الآن على أساس قانون الغاب ويسودها مبدأ التقابل والمعاملة بالمثل والأخذ بالثأر. فالواقع أن الثأر الذي ما تزال تدين به بعض الجماعات هو ما تأخذ به الجماعات الدولية الآن إلى حد كبير، وعلى القانون الدولي أن يصل إلى جعل العقاب والجزاء في يد طرف ثالث قادر أعني هيئة الأمم المتحدة.

(3) ندري حافظ طوقان، الفارابي، مجلة العربي، العدد الثالث ص 62.

(3) للاطلاع على أمثلة ونماذج لهذه الأخطاء انظر مقدمة ابن خلدون صفحات 5 و 6 و 7 و 8 و 9.

(4) قرأ ابن خلدون في أحد المؤلفات التاريخية أنه عند بناء الاسكندر للاسكندرية كانت الجنيات تطلع من البحر ليلا لتهدم ما بني من المدينة بالنهار على حين غفلة من أهلها، فما كان من الاسكندر إلا أن ينزل إلى البحر في تابوت من الزجاج لعدة أيام ليرى كيف يكون شكل هذه الجنيات، لم يرض ابن خلدون بالثقل والرواية عند التأليف كما كان يفعل القريزي بل نزل بفكره إلى الواقع وتشكك وأخذ يمحص مثل هذا الخبر بالرجوع إلى طبائع العمران والبشر ودراستها بشكل موضوعي علمي بعيد عن الخيال وينطبق على ما نراه في واقعنا الاجتماعي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢٢٠