التي ينتشر فيها الإسلام، ومحاولة التوفيق بينها وبين النظم الإسلامية أو بإبدالها بنظم إسلامية سواء دفعة واحدة أو على مراحل، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مثلا في النظم الإدارية والمالية وفي تحليله لفكرة العدل ... وبذلك فتحوا مجالا للاجتهاد أو الفقه، وهو الذي سيلعب أكبر دور -فيما بعد- في محاولة التوفيق بين القواعد العامة والخاصة في التشريع الإسلامي وبين مقتضيات المجتمعات التي ينتشر فيها مع ما يكتنفها من ظروف اجتماعية وطبيعية متباينة. ولا شك أن الفقه الإسلامي يحمل في طياته دلالات كبرى بالنسبة للدراسات الاجتماعية، فهو يدل على أن النظام الاجتماعي لا يجب أن يفهم على أنه شيء جامد لا يتحرك، وليس معنى هذا أن الفقه يقول بتغير النظام الديني من مجتمع لآخر بل معناه أننا نستطيع تطبيق النظام الديني الإسلامي مع مراعاة الظروف الاجتماعية الخاصة لكل مجتمع. لأن العبرة في الإسلام بالغاية، وغاية كل تشريع إسلامي هي مصلحة الأفراد والمجتمع «فما شرع الله حكما في الإسلام إلا لكفالة أمر للناس أو لرفع الحرج عنهم أو لتكميلهم وتجميل حياتهم». بل خرج بعض الفقهاء من ذلك إلى «أن كل تقنين يحقق مصالح الناس أو يقيم العدل بينهم هو تقنين مشروع وهو من شرع الله من وجهة نظر الشريعة الإسلامية». فالشريعة الإسلامية بمشرعيها وفقهائها قد قضت على الفكرة القائلة بجمود النظم الاجتماعية الدينية، وتلك فكرة جديدة ما نحسب أن دينا آخر قد تعرض لها بنفس العمق، ولقد لجأ إلى هذه الفكرة المفكرون المحدثون وسادت بينهم فلسفة المصالح، ولكن بعد جهود مضنية وبعد أن بليت أوربا بكوارث تأثر لها العالم كله وذلك نتيجة لتعلقها بالأفكار الدينية وأخذها على علاتها دون تمحيصها ومحاولة التوفيق بينها وبين الواقع الاجتماعي المطبقة فيه (1). وكانت نقطة انطلاق أوربا حين ثارت على هذا التفكير العقيم.
وكما أبرز المشرعون والفقهاء الإسلاميون فكرة التطور والصيرورة واختلاف الظروف الاجتماعية .. وما يصحب ذلك من ضرورة مرونة الدين ليلائم مقتضيات المكان والزمان وهو الشيء الذي يتوفر عليه دين الإسلام السمح مراعاة لمصالح الفرد والجماعة كذلك أسهم المؤرخون الإسلاميون والرحالة والجغرافيون من أمثال الطبري والمسعودي وابن خلدون من المؤرخين وابن جبير والاصطخري وابن بطوطة المغربي من الرحالة والجغرافيين في إبراز فكرة تباين النظم الاجتماعية في المجتمعات المختلفة والبحث في أسباب هذا الاختلاف ... فاسهموا في ذلك في الدراسات الانتروبولوجية ودراسة الأجناس والدراسات كلها كانت ممهدة لظهور علم الاجتماع من حيث أنها قادت الفكرة إلى البحث في الظواهر الاجتماعية وعللها واستنباط القوانين الخاصة بها ويقول في هذا أبو الحسن المسعودي: «وكان ما دعاني إلى تأليف كتابي هذا في التاريخ .. احتذاء الشاكلة التي قصدها العلماء .. ولكل إقليم عجائب يقتصر على علمها أهله، وليس من لزم جهة وطنه وقنع بما نمى إليه من الأخبار عن اقليمه كمن قسم عمره على قطع الأقطار ووزع أيامه بين تقاذف الأسفار، واستخراج كل دقيق من معدنه وإثارة كل نفيس من مكمنه» (مروج الذهب للمسعودي).
ويعتبر كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» لأبي نصر الفارابي مثالا طيبا لازدهار الفكر الاجتماعي الإسلامي، أن هذا الكتاب يحتوي على فكرة ضخمة وهي المناداة بتكوين المجتمع العالمي، تلك الفكرة التي لم تبعث إلى الوجود إلى منذ زمن قريب جدا. ويخلص من درس هذا الكتاب إلى أن الفارابي قد فكر في «أمم متحدة» قبل ساسة القرن العشرين بقرون.
يقسم الفارابي المجتمعات الإنسانية الكاملة إلى ثلاثة أنواع: أولها وأكملها «اجتماع الجماعة كلها في المعمورة» أو المجتمع العالمي، ثم المجتمع الأوسط وهو الذي يشمل أمة، ثم المجتمع الأصغر أو المدينة. ويلاحظ هنا أن الفارابي متأثر بالفكرة الإسلامية وهي فكرة العالمية، فالإسلام خاصة والأديان عامة تدعو دائما إلى تحقيق فكرة العالمية وتمقت فكرة القوميات وتجزئة العالم إلى دول متطاحنة، فالفارابي إذن قد تنبأ باجتماع الأمم كلها واتصالها بعضها ببعض واتحادها فكأنه رجل من رجال القرن العشرين يؤمن بالسلام ويثق
(1) الديمقراطية ننظر إليها بمعنى أوسع مع كونها مجرد شكل سياسي أو أنها طريق للحكم وسن القوانين وتنفيذ أعمال الحكومة بشكل يقوم به أعضاء منتخبون، فهي وإن كانت حقا كذلك إلا أنها أوسع من مجرد ذلك. ولقد قسرها المربي الفيلسوف ديوي بقوله: «الديموقراطية طريقة للحياة اجتماعية وفردية -فالديموقراطية كطريقة للحياة، يمكن أن يعبر عنها في نظري بأنها الحاجة لمشاركة كل كائن بشري ناضج في تكوين القيم التي تنظم حياة الأفراد بعضهم مع بعض والتي هي ضرورية لسعادة المجتمع عامة ولرقي الكائنات البشرية إلى مواطنين اجتماعيين» (نقلا عن الدكتور على أحمد فؤاد، محاضرات في النهوض بالمجتمع المحلي سنة 1957 ص 31).